فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 8321

واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء . أحدها: قوله: { الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } وفيه أسئلة . الأول: كيف يجوز وصف الله تعالى بأنه يستهزىء وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس ، وهو على الله محال ، ولأنه لا ينفك عن الجهل ، لقوله: { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } [ البقرة: 67 ] والجهل على الله محال والجواب: ذكروا في التأويل خمسة أوجه: أحدها: أن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء ، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى: { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى: 40 ] { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } [ البقرة: 194 ] { يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء: 142 ] { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله } [ آل عمران: 54 ] وقال عليه السلام: « اللهم إن فلانًا هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه ، اللهم والعنه عدد ما هجاني » أي أجزه جزاء هجائه ، وقال عليه السلام: « تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا » وثانيها: أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين ، فيصير كأن الله استهزأ بهم . وثالثها: أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء ، والمراد حصول الهوان لهم تعبيرًا بالسبب عن المسبب . ورابعها: إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة ، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمرًا مع أن الحاصل منهم في السر خلافه ، وهذا التأويل ضعيف ، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم ، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا . وخامسها: أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزىء في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه ، وأما في الآخرة فقال ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة ، والكافرون النار فتح الله من الجنة بابًا على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين ، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحًا أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة ، وأهل الجنة ينظرون إليهم ، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب ، فذاك قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت