فهرس الكتاب

الصفحة 3430 من 8321

{ الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ } [ الأنفال: 66 ] والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر . الثالث: قوله من بعد: { والله مَعَ الصابرين } [ الأنفال: 66 ] وذلك ترغيبًا في الثبات على الجهاد ، فثبت أن المراد من هذا الكلام هو الأمر وإن كان واردًا بلفظ الخبر ، وهو كقوله تعالى: { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [ البقرة: 233 ] { والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } [ البقرة: 228 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون } يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابرًا قاهرًا على ذلك ، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء؛ منها: أن يكون شديد الأعضاء قويًا جلدًا ، ومنها: أن يكون قوي القلب شجاعًا غير جبان ، ومنها: أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزًا إلى فئة ، فإن الله استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة .

واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى: { حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلًا لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه .

المسألة الثانية: قوله: { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ الذين كَفَرُواْ } حاصله وجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة ، فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟

وجوابه أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة ، وكان رسول الله يبعث السرايا ، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة ، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين .

المسألة الثالثة: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر { ءانٍ تَكُنْ } بالتاء ، وكذلك الذي بعده { وَأَنْ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ } وقرأ أبو عمرو الأول بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما .

المسألة الرابعة: أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة ، وهو قوله: { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } وتقرير هذا الكلام من وجوه:

الوجه الأول: أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد ، فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية . ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال ، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزنًا ، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من الباب الأول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت