{ قُلِ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النمل: 59 ] وقوله: { أذلك خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزقوم } [ الصافات: 62 ] الثاني: أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفًا بهذه الصفات ، تنبيهًا على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى . الثالث: أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على السقاية والعمارة والمراد منه ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال ، ولا شك أن السقاية والعمارة من أعمال الخير ، وإنما بطل إيجابهما للثواب في حق الكفار لأن قيام الكفر الذي هو أعظم الجنايات يمنع ظهور ذلك الأثر .
واعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالإيمان والهجرة أعظم درجة عند الله بين تعالى أنهم هم الفائزون وهذا للحصر ، والمعنى أنهم هم الفائزون بالدرجة العالية الشريفة المقدسة التي وقعت الإشارة إليها بقوله تعالى: { عِندَ رَبّهِمْ } وهي درجة العندية ، وذلك لأن من آمن بالله وعرفه فقل أن يبقى قلبه ملتفتًا إلى الدنيا ، ثم عند هذا يحتال إلى إزالة هذه العقدة عن جوهر الروح ، وإزالة حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس وبين لذات الدنيا ، فإذا دام ذلك التفريق وانتقص تعلقه بحب الدنيا ، فهذا التفريق والنقص يحصلان بالهجرة . ثم إنه بعده لا بد من استحقار الدنيا والوقوف على معايبها وصيرورتها في عين العاقل بحيث يوجب على نفسه تركها ورفضها ، وذلك إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس والمال للهلاك والبوار ، ولولا أنه استحقر الدنيا وإلا لما فعل ذلك ، وعند هذا يتم ما قاله بعض المحققين وهو أن العرفان مبتدأ من تفريق ونقص وترك ورفض ، ثم عند حصول هذه الحالة يصير القلب مشتغلًا بالنظر إلى صفات الجلال والإكرام ، وفي مشاهدتها يحصل بذل النفس والمال ، فيصير الإنسان شهيدًا مشاهدًا لعالم الجلال مكاشفًا بنور الجلالة مشهودًا له بقوله تعالى: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ورضوان وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خالدين فِيهَا أَبَدًا } وعند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة الأحد الصمد ، وهو المراد من قوله: { عِندَ رَبّهِمْ } وهنا يحق الوقوف في الوصول .
ثم قال تعالى: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ورضوان وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خالدين فِيهَا أَبَدًا إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } .
واعلم أن هذه الإشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية وأنه تعالى ابتدأ فيها بالأشرف فالأشرف ، نازلًا إلى الأدون فالأدون ، ونحن نفسرها تارة على طريق المتكلمين وأخرى على طريقة العارفين .
أما الأول فنقول: فالمرتبة الأولى منها وهي أعلاها وأشرفها كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة والرضوان ، وهذا هو التعظيم والإجلال من قبل الله . وقوله: { وجنات لَّهُمْ } إشارة إلى حصول المنافع العظيمة وقوله: { فِيهَا نَعِيمٌ } إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة ، ولا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات وقوله: { مُّقِيمٌ } عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة . ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات: أولها: { مُّقِيمٌ } وثانيها: قوله: { خالدين فِيهَا } وثالثها: قوله: { أَبَدًا } فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، وذلك هو حد الثواب . وفائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة . ومن المتكلمين من قال قوله: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ } المراد منه خيرات الدنيا وقوله: { وَرِضْوَانٍ لَهُمْ } المراد منه كونه تعالى راضيًا عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا وقوله: { وجنات } المراد منه المنافع وقوله: { لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ } المراد منه كون تلك النعم خالصة عن المكدرات ، لأن النعيم مبالغة في النعمة وقوله: { مُّقِيمٌ خالدين فِيهَا أَبَدًا } المراد منه الإجلال والتعظيم الذي يجب حصوله في الثواب .