فهرس الكتاب

الصفحة 3522 من 8321

أما قوله تعالى: { يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ } فهذا قراءة العامة وهي حسنة لإسناد الضلال إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن إسناد الضلال إليهم ، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضًا ، لأن المضل لغيره ضال في نفسه لامحال . وقراءة أهل الكوفة { يضل } بضم الياء وفتح الضاد ، ومعناه: أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور ، فأسند الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية: { زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أعمالهم } أي زين لهم ذلك حاملوهم عليه . وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم { يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ } بضم الياء وكسر الضاد وله ثلاثة أوجه: أحدها: يضل الله به الذين كفروا . والثاني: يضل الشيطان به الذين كفروا . والثالث: وهو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأقوالهم ، وإنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر الله ولا ذكر الشيطان .

واعلم أن الكناية في قوله: { يُضِلُّ بِهِ } يعود إلى النسىء وقوله: { يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا } فالضمير عائد إلى النسىء . والمعنى: يحلون ذلك الإنساء عامًا ويحرمونه عامًا . قال الواحدي: يحلون التأخير عامًا وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم ، ويحرمون التأخير عامًا آخر وهو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه . قال Bه هذا التأويل إنما يصح إذا فسرنا النسىء بأنهم كانوا يؤخرون المحرم في بعض السنين ، وذلك يوجب أن ينقلب الشهر المحرم إلى الحل وبالعكس ، إلا أن هذا إنما يصلح لو حملنا النسىء على المفعول وهو المنسوء المؤخر ، وقد ذكرنا أنه مشكل لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفرًا وأنه غير جائز إلا إذا قلنا إن المراد من النسىء المنسوء وهو المفعول ، وحملنا قوله: { إِنَّمَا النسىء } زيادة في الكفر على أن المراد العمل الذي به يصير النسىء سببًا في زيادة الكفر ، وبسبب هذا الإضمار يقوى هذا التأويل .

أما قوله: { لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله } قال أهل اللغة يقال: واطأت فلانًا على كذا إذا وافقته عليه . قال المبرد: يقال: تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه ، كان كل واحد يطأ حيث يطأ صاحبه والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ واحد ، ومعنى واحد . قال ابن عباس Bهما: إنهم ما أحلوا شهرًا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرًا من الحلال ، ولم يحرموا شهرًا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرًا من الحرام ، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة ، مطابقة لما ذكره الله تعالى ، هذا هو المراد من المواطأة . ولما بين تعالى كون هذا العمل كفرًا ومنكرًا قال: { زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أعمالهم والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } قال ابن عباس والحسن: يريد زين لهم الشيطان هذا العمل والله لا يرشد كل كفار أثيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت