فهرس الكتاب

الصفحة 3528 من 8321

« نعم » فجعل يمسح الدموع عن خده . ويروى عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى ، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده . وقيل: لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول الله A وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله . فقال رسول الله: « ما ظنك باثنين الله ثالثهما » وقيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار ، وبعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله A: « اللهم أعم أبصارهم » فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدًا .

المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر Bه من وجوه: الأول: أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله ، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعًا على باطن أبي بكر ، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين ، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع ، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره ، لخافه من أن يدل أعداءه عليه ، وأيضًا لخافه من أن يقدم على قتله فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة ، دل على أنه عليه السلام كان قاطعًا بأن باطنه على وفق ظاهره . الثاني: وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى ، وكان في خدمة رسول الله A جماعة من المخلصين ، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب من أبي بكر ، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة ، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة ، وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين . الثالث: أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله A ، أما هو فما سبق رسول الله كغيره ، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد ، وذلك يوجب الفضل العظيم . الرابع: أنه تعالى سماه { ثَانِيَ اثنين } فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار ، والعلماء أثبتوا أنه Bه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية ، فإنه A لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر ، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، والكل آمنوا على يديه ، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله A بعد أيام قلائل ، فكان هو Bه { ثَانِيَ اثنين } في الدعوة إلى الله وأيضًا كلما وقف رسول الله A في غزوة ، كان أبو بكر Bه يقف في خدمته ولا يفارقه ، فكان ثاني اثنين في مجلسه ، ولما مرض رسول الله A قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين ، ولما توفي دفن بجنبه ، فكان ثاني اثنين هناك أيضًا ، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعًا لكل ثلاث في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت