والوجه السابع: في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر . قوله: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } ولا شك أن المراد من هذه المعية ، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة ، وبالجملة فالرسول E شرك بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية ، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد ، لزمهم إدخال الرسول فيه ، وإن حملوها على محمل رفيع شريف ، لزمهم إدخال أبي بكر فيه ، ونقول بعبارة أخرى ، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه ، وكل من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين ، لقوله تعالى: { إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ } [ النحل: 128 ] والمراد منه الحصر ، والمعنى: إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم ، وذلك يدل على أن أبا بكر من المتقين المحسنين .
والوجه الثامن: في تقرير هذا المطلوب أن قوله: { إِنَّ الله مَعَنَا } يدل على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية ، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار ، وذلك منصب في غاية الشرف .
والوجه التاسع: أن قوله: { لاَ تَحْزَنْ } نهى عن الحزن مطلقًا ، والنهي يوجب الدوام والتكرار ، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة ، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت .
والوجه العاشر: قوله: { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } ومن قال الضمير في قوله: { عَلَيْهِ } عائدًا إلى الرسول فهذا باطل لوجوه:
الوجه الأول: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر ، لأنه تعالى قال: { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } والتقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن ، وعلى هذا التقدير: فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر ، فوجب عود الضمير إليه .
والوجه الثاني: أن الحزن والخوف كان حاصلًا لأبي بكر لا للرسول E ، فإنه عليه السلام كان آمنًا ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمنًا ، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سببًا لزوال خوفه ، أولى من صرفها إلى الرسول A ، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس .
والوجه الثالث: أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفًا ، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } فمن كان خائفًا كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه ، فقال لصاحبه لا تحزن ، ولما لم يكن كذلك ، بل ذكر أولًا أنه E قال لصاحبه لا تحزن ، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة ، وهو قوله: { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول E ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر .