والثاني باطل أيضًا ، لأن على هذا التقدير يلزم أن يقال إنه حكم بغير ما أنزل الله فيلزم دخوله تحت قوله: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون } [ المائدة: 44 ] { فأولئك هُمُ الظالمون } [ المائدة: 45 ] { فأولئك هُمُ الفاسقون } [ المائدة: 47 ] وذلك باطل بصريح القول فلم يبق إلا القسم الثالث ، وهو أنه E أذن في تلك الواقعة من تلقاء نفسه ، فإما أن يكون ذلك مبنيًا على الاجتهاد أو ما كان كذلك ، والثاني باطل ، لأنه حكم بمجرد التشهي وهو باطل لقوله تعالى: { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات } [ مريم: 59 ] فلم يبق إلا أنه E أذن في تلك الواقعة ، بناء على الاجتهاد ، وذلك يدل على أنه E ، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد .
فإن قيل: فهذا بأن يدل على أنه لا يجوز له الحكم بالاجتهاد أولى ، لأنه تعالى منعه من هذا الحكم بقوله: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } .
قلنا: إنه تعالى ما منعه من ذلك الإذن مطلقًا لأنه قال: { حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين } والحكم الممدود إلى غاية بكلمة حتى يجب انتهاؤه عند حصول تلك الغاية ، فهذا يدل على صحة قولنا .
فإن قالوا: فلم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي؟
قلنا: ما ذكرتموه محتمل إلا أن على التقدير الذي ذكرتم ، يصير تكليفه ، أن لا يحكم ألبتة ، وأن يصبر حتى ينزل الوحي ويظهر النص ، فلما ترك ذلك ، كان ذلك كبيرة ، وعلى التقدير الذي ذكرنا كان ذلك الخطأ خطأ واقعًا في الاجتهاد ، فدخل تحت قوله: « ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد » فكان حمل الكلام عليه أولى .
المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة ، ووجوب التثبت والتأني وترك الاغترار بظواهر الأمور والمبالغة في التفحص ، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد .
المسألة الرابعة: قال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية ، ثم رخص له في سورة النور فقال: { فَإِذَا استذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } [ النور: 62 ] .
المسألة الخامسة: قال أبو مسلم الأصفهاني: قوله: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } ليس فيه ما يدل على أن ذلك الإذن فيما ذا؟! فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود فأذن له ، ويحتمل أن بعضهم استأذن في الخروج فأذن له ، مع أنه ما كان خروجهم معه صوابًا ، لأجل أنهم كانوا عيونًا للمنافقين على المسلمين ، فكانوا يثيرون الفتن ويبغون الغوائل فلهذا السبب ، ما كان في خروجهم مع الرسول مصلحة . قال القاضي: هذا بعيد لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك على وجه الذم للمتخلفين والمدح للمبادرين ، وأيضًا ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين وبيان حالهم .