فهرس الكتاب

الصفحة 3565 من 8321

والوجه الثالث: أن كثرة المال سبب لحصول الطغيان والقسوة في القلب ، وسببه ما ذكرنا من أن كثرة المال سبب لحصول القدرة ، والقدرة محبوبة لذاتها ، والعاشق إذا وصل لمعشوقه استغرق فيه ، فالإنسان يصير غرقًا في طلب المال ، فإن عرض له مانع يمنعه عن طلبه استعان بماله وقدرته على دفع ذلك المانع ، وهذا هو المراد بالطغيان ، وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: { إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّءاهُ استغنى } [ العلق: 6 ، 7 ] فإيجاب الزكاة يقلل الطغيان ويرد القلب إلى طلب رضوان الرحمن .

والوجه الرابع: أن النفس الناطقة لها قوتان ، نظرية وعملية ، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله ، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله ، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال وهو اتصافه بكونه محسنًا إلى الخلق ساعيًا في إيصال الخيرات إليهم دافعًا للآفات عنهم ، ولهذا السر قال E: « تخلقوا بأخلاق الله »

والوجه الخامس: أن الخلق إذا علموا في الإنسان كونه ساعيًا في إيصال الخيرات إليهم ، وفي دفع الآفات عنهم أحبوه بالطبع ومالت نفوسهم إليه لا محالة ، على ما قاله E: « جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها » فالفقراء إذا علموا أن الرجل الغني يصرف إليهم طائفة من ماله ، وأنه كلما كان ماله أكثر كان الذي يصرفه إليهم من ذلك المال أكثر ، أمدوه بالدعاء والهمة ، وللقلوب آثار وللأرواح حرارة فصارت تلك الدعوات سببًا لبقاء ذلك الإنسان في الخير والخصب ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِى الأرض } [ الرعد: 17 ] وبقوله E: « حصنوا أموالكم بالزكاة »

والوجه السادس: أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء ، فإن الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه ، إلا أنه يتوسل به إلى الاستغناء عن غيره ، فأما الاستغناء عن الشيء فهو الغنى التام ، ولذلك فإن الاستغناء عن الشيء صفة الحق ، والاستغناء بالشيء صفة الخلق ، فالله سبحانه لما أعطى بعض عبيده أموالًا كثيرة فقد رزقه نصيبًا وافرًا من باب الاستغناء بالشيء . فإذا أمره بالزكاة كان المقصود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء ، إلى المقام الذي هو أعلى منه ، وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء .

والوجه السابع: أن المال سمي مالًا لكثرة ميل كل أحد إليه ، فهو غاد ورائح ، وهو سريع الزوال مشرف على التفرق ، فما دام يبقى في يده كان كالمشرف على الهلاك والتفرق . فإذا أنفقه الإنسان في وجوه البر والخير والمصالح بقي بقاء لا يمكن زواله ، فإنه يوجب المدح الدائم في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة ، وسمعت واحدًا يقول: الإنسان لا يقدر أن يذهب بذهبه إلى القبر ، فقلت بل يمكنه ذلك فإنه إذا أنفقه في طلب الرضوان الأكبر فقد ذهب به إلى القبر وإلى القيامة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت