فهرس الكتاب

الصفحة 3586 من 8321

{ لاَ فِيهَا غَوْلٌ } [ الصافات: 47 ] والمقصود: ليس نفي الغول ، بل نفي أن يكون خمر الجنة محلًا للغول .

المسألة الثانية: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستهزئون بالله وآياته ورسوله ، ومعلوم أن الاستهزاء بالله محال . فلا بد له من تأويل وفيه وجوه: الأول: المراد بالاستهزاء بالله هو الاستهزاء بتكاليف الله تعالى . الثاني: يحتمل أن يكون المراد الاستهزاء بذكر الله ، فإن أسماء الله قد يستهزىء الكافر بها كما أن المؤمن يعظمها ويمجدها . قال تعالى: { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } [ الأعلى: 1 ] فأمر المؤمن بتعظيم اسم الله . وقال: { وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَئِهِ } [ الأعراف: 180 ] فلا يمتنع أن يقال: { أبالله } ويراد: أبذكر الله . الثالث: لعل المنافقين لما قالوا: كيف يقدر محمد على أخذ حصون الشأم وقصورها . قال بعض المسلمين: الله يعينه على ذلك وينصره عليهم ، ثم إن بعض الجهال من المنافقين ذكر كلامًا مشعرًا بالقدح في قدرة الله كما هو عادات الجهال والمُلْحِدَة ، فكان المراد ذلك .

وأما قوله: { وءاياته } فالمراد بها القرآن ، وسائر ما يدل على الدين . وقوله: { وَرَسُولُهُ } معلوم ، وذلك يدل على أن القوم إنما ذكروا ما ذكروه على سبيل الاستهزاء .

ثم قال تعالى: { لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: نقل الواحدي عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين:

القول الأول: أنه عبارة عن محو الذنب من قولهم: اعتذرت المنازل إذا درست . يقال: مررت بمنزل معتذر ، والاعتذار هو الدرس وأخذ الاعتذار منه . لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه .

والقول الثاني: حكى ابن الأعرابي أن الاعتذار هو القطع ، ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تقطع ، وعذرة الجارية سميت عذرة لأنها تعذر أي تقطع ، ويقال اعتذرت المياه إذا انقطعت ، فالعذر لما كان سببًا لقطع اللوم سمي عذرًا ، قال الواحدي: والقولان متقاربان ، لأن محو أثر الذنب وقطع اللوم يتقاربان .

المسألة الثانية: أنه تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفرًا ، والعقل يقتضي أن الإقدام على الكفر لأجل اللعب غير جائز ، فثبت أن قولهم { إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } ما كان عذرًا حقيقيًا في الإقدام على ذلك الاستهزاء ، فلما لم يكن ذلك عذرًا في نفسه نهاهم الله عن أن يعتذروا به لأن المنع عن الكلام الباطل واجب . فقال: { لاَ تَعْتَذِرُواْ } أي لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا الجرم .

المسألة الثالثة: قوله: { قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } يدل على أحكام .

الحكم الأول

أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفرٌ بالله . وذلك لأن الاستهزاء يدل على الاستخفاف والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان والجمع بينهما محال .

الحكم الثاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت