فهرس الكتاب

الصفحة 3595 من 8321

قال صاحب «الكشاف» : وعدن علم بدليل قوله: { جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن } [ مريم: 61 ] .

والقول الثاني: أنه صفة للجنة قال الأزهري: العدن مأخوذ من قولك عدن فلان بالمكان إذا أقام به ، يعدن عدونا . والعرب تقول: تركت إبل بني فلان عودان بمكان كذا ، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه ، ومنه المعدن وهو المكان الذي تخلق الجواهر فيه ومنبعها منه ، والقائلون بهذا الاشتقاق قالوا: الجنات كلها جنات عدن .

والنوع الثالث: من المواعيد التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله: { ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ } والمعنى أن رضوان الله أكبر من كل ما سلف ذكره ، واعلم أن هذا هو البرهان القاطع على أن السعادات الروحانية أشرف وأعلى من السعادات الجسمانية ، وذلك لأنه إما أن يكون الابتهاج بكون مولاه راضيًا عنه ، وأن يتوسل بذلك الرضا إلى شيء من اللذات الجسمانية أو ليس الأمر كذلك ، بل علمه بكونه راضيًا عنه يوجب الابتهاج والسعادة لذاته من غير أن يتوسل به إلى مطلوب آخر ، والأول باطل ، لأن ما كان وسيلة إلى الشيء لا يكون أعلى حالًا من ذلك المقصود ، فلو كان المقصود من رضوان الله أن يتوسل به إلى اللذات التي أعدها الله في الجنة من الأكل والشرب لكان الابتهاج بالرضوان ابتهاجًا بحصول الوسيلة . ولكان الابتهاج بتلك اللذات ابتهاجًا بالمقصود ، وقد ذكرنا أن الابتهاج بالوسيلة لا بد وأن يكون أقل حالًا من الابتهاج بالمقصود . فوجب أن يكون رضوان الله أقل حالًا وأدون مرتبة من الفوز بالجنات والمساكن الطيبة ، لكن الأمر ليس كذلك ، لأنه تعالى نص على أن الفوز بالرضوان أعلى وأعظم وأجل وأكبر ، وذلك دليل قاطع على أن السعادات الروحانية أكمل وأشرف من السعادات الجسمانية .

واعلم أن المذهب الصحيح الحق وجوب الإقرار بهما معًا كما جمع الله بينهما في هذه الآية . ولما ذكر تعالى هذه الأمور الثلاثة قال: { ذلك هُوَ الفوز العظيم } وفيه وجهان: الأول: أن الإنسان مخلوق من جوهرين ، لطيف علوي روحاني ، وكثيف سفلي جسماني وانضم إليهما حصول سعادة وشقاوة ، فإذا حصلت الخيرات الجسمانية وانضم إليها حصول السعادات الروحانية كانت الروح فائزة بالسعادات اللائقة بها ، والجسد واصلًا إلى السعادات اللائقة به ، ولا شك أن ذلك هو الفوز العظيم . الثاني: أنه تعالى بين في وصفه المنافقين أنهم تشبهوا بالكفار الذين كانوا قبلهم في التنعم بالدنيا وطيباتها . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية وصف ثواب المؤمنين ، ثم قال: { ذلك هُوَ الفوز العظيم } والمعنى: أن هذا هو الفوز العظيم ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا . وروي أنه تعالى يقول لأهل الجنة:"هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك ، فيقول أما أعطيكم أفضل من ذلك ، قالوا وأي شيء أفضل من ذلك . قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا"واعلم أن دلالة هذا الحديث على أن السعادات الروحانية أفضل من الجسمانية كدلالة الآية وقد تقدم تقريره على الوجه الكامل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت