فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 8321

وثانيها: أن الذي ورد به التكليف إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه ، أو علم أنه لا يقع أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك ، فإن كان الأول كان واجب الوقوع ممتنع العدم فلا فائدة في ورود الأمر به ، وإن علم لا وقوعه كان ممتنع الوقوع واجب العدم ، فكان الأمر بإيقاعه أمرًا بإيقاع الممتنع وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولًا بالجهل على الله تعالى وهو محال ، ولأن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فإنه لا يتميز المطيع عن العاصي ، وحينئذٍ لا يكون في الطاعة فائدة . وثالثها: أن ورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة ، فإن كان لفائدة فهي إما عائدة إلى المعبود أو إلى العابد أما إلى المعبود فمحال لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته لا يكون كاملًا بغيره ، ولأنا نعلم بالضرورة أن الإله العالي على الدهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده ، وأما إلى العابد فمحال؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللذة ودفع الألم ، وهو سبحانه وتعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد ابتداء من غير توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثًا ، والعبث غير جائز على الحكيم . ورابعها: أن العبد غير موجد لأفعاله لأنه غير عالم بتفاصيلها ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجدًا له وإذا لم يكن العبد موجدًا لأفعال نفسه فإن أمره بذلك الفعل حال ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل ، وإن أمره به حال ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال وكل ذلك باطل . وخامسها: أن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب على ما دلت عليه ظواهر القرآن فلو قدرنا إنسانًا مشتغل القلب دائمًا بالله تعالى وبحيث لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة لصار ذلك عائقًا له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة ، فإن الفقهاء والقياسيين قالوا إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع الأحكام المعقولة لا اتباع الظواهر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت