المسألة الخامسة: قال الجبائي: إن المشبهة تمسكوا في إثبات رؤية الله تعالى بقوله: { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام } قال واللقاء ليس عبارة عن الرؤية ، بدليل أنه قال في صفة المنافقين: { إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } وأجمعوا على أن الكفار لا يرونه ، فهذا يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . قال: والذي يقويه قوله عليه السلام: « من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حق امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان » وأجمعوا على أن المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا . والقاضي استحسن هذا الكلام . وأقول: أنا شديد التعجب من أمثال هؤلاء الأفاضل كيف قنعت نفوسهم بأمثال هذه الوجوه الضعيفة؟! وذلك لأنا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرؤية في هذه الآية ، وفي هذا الخبر لدليل منفصل ، فلم يلزمنا ذلك في سائر الصور . ألا ترى أنا لما أدخلنا التخصيص في بعض العمومات لدليل منفصل ، لم يلزمنا مثله في جميع العمومات أن نخصصها من غير دليل ، فكما لا يلزم هذا لم يلزم ذلك فإن قال هذا الكلام إنما يقوى لو ثبت أن اللقاء في اللغة عبارة عن الرؤية ، وذلك ممنوع . فنقول: لا شك أن اللقاء عبارة عن الوصول ومن رأى شيئًا فقد وصل إليه فكانت الرؤية لقاء ، كما أن الإدراك هو البلوغ . قال تعالى: { قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } [ الشعراء: 61 ] أي لملحقون ، ثم حملناه على الرؤية فكذا ههنا ، ثم نقول: لا شك أن اللقاء ههنا ليس هو الرؤية ، بل المقصود أنه تعالى { فأعقبهم نفاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } أي حكمه وقضاءه ، وهو كقول الرجل ستلقى عملك غدًا ، أي تجازى عليه ، قال تعالى: { بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } والمعنى: أنه تعالى عاقبهم بتحصيل ذلك النفاق في قلوبهم لأجل أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد وعلى الكذب .
ثم قال تعالى: { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } والسر ما ينطوي عليه صدورهم ، والنجوى ما يفاوض فيه بعضهم بعضًا فيما بينهم ، وهو مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما ، ونظيره قوله تعالى: { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } [ مريم: 52 ] وقوله: { فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا } [ يوسف: 80 ] وقوله: { فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان . . . وتناجوا بالبر والتقوى } [ المجادلة: 9 ] وقوله: { إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً } [ المجادلة: 12 ] .
إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى ، فالمقصود من الآية كأنه تعالى قال: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر؟
ثم قال: { وَأَنَّ الله علام الغيوب } والعلام مبالغة في العالم ، والغيب ما كان غائبًا عن الخلق . والمراد أنه تعالى ذاته تقتضي العلم بجميع الأشياء . فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات ، فيجب كونه عالمًا بما في الضمائر والسرائر ، فكيف يمكن الاخفاء منه؟ ونظير لفظ علام الغيوب ههنا قول عيسى عليه السلام: { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } [ المائدة: 116 ] فأما وصف الله بالعلامة فإنه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق الله محال .