الوجه الثاني: في الجواب ما ذكره أبو مسلم: أن المؤمنين شهداء الله يوم القيامة كما قال: { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة: 143 ] الآية ، والرسول شهيد الأمة ، كما قال: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيدًا } [ النساء: 41 ] فثبت أن الرسول والمؤمنين شهداء الله يوم القيامة ، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية ، فذكر الله أن الرسول عليه السلام والمؤمنين يرون أعمالهم ، والمقصود التنبيه على أنهم يشهدون يوم القيامة عند حضور الأولين والآخرين ، بأنهم أهل الصدق والسداد والعفاف والرشاد .
ثم قال تعالى: { وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال ابن عباس Bهما: الغيب ما يسرونه ، والشهادة ما يظهرونه . وأقول لا يبعد أن يكون الغيب ما حصل في قلوبهم من الدواعي والصوارف ، والشهادة الأعمال التي تظهر على جوارحهم ، وأقول أيضًا مذهب حكماء الإسلام أن الموجودات الغائبة عن الحواس علل أو كالعلل للموجودات المحسوسات ، وعندهم أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول . فوجب كون العلم بالغيب سابقًا على العلم بالشهادة ، فلهذا السبب أينما جاء هذا الكلام في القرآن كان الغيب مقدمًا على الشهادة .
المسألة الثانية: إن حملنا قوله تعالى: { فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } على الرؤية ، فحينئذ يظهر أن معناه مغاير لمعنى قوله: { وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } وإن حملنا تلك الرؤية على العلم أو على إيصال الثواب جعلنا قوله: { وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } جاريًا مجرى التفسير لقوله: { فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } معناه: بإظهار المدح والثناء والإعزاز في الدنيا ، أو بإظهار أضدادها . وقوله: { وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } معناه: ما ينظره في القيامة من حال الثواب والعقاب .
ثم قال: { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } والمعنى يعرفكم أحوال أعمالكم ثم يجازيكم عليها ، لأن المجازاة من الله تعالى لا تحصل في الآخرة إلا بعد التعريف . ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم ، فإن كان من أهل الثواب كان فرحه وسعادته أكثر ، وإن كان من أهل العقاب كان غمه وخسرانه أكثر . وقال حكماء الإسلام ، المراد من قوله تعالى: { فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } الإشارة إلى الثواب الروحاني ، وذلك لأن العبد إذا تحمل أنواعًا من المشاق في الأمور التي أمره بها مولاه ، فإذا علم العبد أن مولاه يرى كونه متحملًا لتلك المشاق ، عظم فرحه وقوي ابتهاجه بها ، وكان ذلك عنده ألذ من الخلع النفيسة والأموال العظيمة .
وأما قوله: { وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } فالمراد منه تعريف عقاب الخزي والفضيحة . ومثاله أن العبد الذي خصه السلطان بالوجوه الكثيرة من الإحسان إذا أتى بأنواع كثيرة من المعاصي ، فإذا حضر ذلك العبد عند ذلك السلطان وعدد عليه أنواع قبائحه وفضائحه ، قوي حزنه وعظم غمه وكملت فضيحته ، وهذا نوع من العذاب الروحاني ، وربما رضي العاقل بأشد أنواع العذاب الجسماني حذرًا منه . والمقصود من هذه الآية تعريف هذا النوع من العقاب الروحاني نسأل الله العصمة منه ومن سائر العذاب .