فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 8321

أما المقام الثاني: وهو أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا فقد احتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن تحصيل التصورات غير مقدور فالتصديقات البديهية غير مقدورة فجميع التصديقات غير مقدورة وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن طالب تحصيلها إن كان عارفًا بها استحال منه طلبها لأن تحصيل الحاصل محال ، فإن كان غافلًا عنها استحال كونه طالبًا لها لأن الغافل عن الشيء لا يكون طالبًا له . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون معلومًا من وجه ومجهولًا من وجه . قلنا لأن الوجه الذي يصدق عليه أنه معلوم غير الوجه الذي يصدق عليه أنه غير معلوم ، وإلا فقد صدق النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال وحينئذٍ نقول الوجه المعلوم استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل والوجه الذي هو غير معلوم استحال طلبه لأن المغفول عنه لا يكون مطلوبًا ، وإنما قلنا إن التصورات لما كانت غير كسبية استحال كون التصديقات البديهية كسبية وذلك لأن عند حضور طرفي الموضوع والمحمول في الذهن من القضية البديهية إما أن يلزم من مجرد حضورهما جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات ، أو لا يلزم ، فإن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل كانت مشكوكة . وإن لزم كان التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين وممتنع الحصول عند عدم حضورهما ، وما يكون واجب الدوران نفيًا وإثباتًا مع ما لا يكون مقدورًا نفيًا وإثباتًا وجب أن يكون أيضًا كذلك فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية؛ وإنما قلنا إن هذه التصديقات لما لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبيًا لأن التصديق الذي لا يكون بديهيًا ، لا بدّ وأن يكون نظريًا فلا يخلو إما أن يكون واجب اللزوم عند حضور تلك التصديقات البديهية أو لا يكون فإن لم يكن واجب اللزوم منها لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب ، فلم يكن ذلك استدلالًا يقينيًا بل إما ظنًا أو اعتقادًا تقليديًا ، وإن كان واجبًا فكانت تلك النظريات واجبة الدوران نفيًا وإثباتًا مع تلك القضايا الضرورية ، فوجب أن لا يكون شيء من تلك النظريات مقدورًا للعبد أصلًا . وثانيها: أن الإنسان إنما يكون قادرًا على إدخال الشيء في الوجود لو كان يمكنه أن يميز ذلك المطلوب عن غيره والعلم إنما يتميز عن الجهل بكونه مطابقًا للمعلوم دون الجهل وإنما يعلم ذلك لو علم المعلوم على ما هو عليه ، فإذن لا يمكنه إيجاد العلم بذلك الشيء إلا إذا كان عالمًا بذلك الشيء لكن ذلك محال لاستحالة تحصيل الحاصل ، فوجب أن لا يكون العبد متمكنًا من إيجاد العلم ولا من طلبه . وثالثها: أن الموجب للنظر ، إما ضرورة العقل ، أو النظر أو السمع . والأول: باطل لأن الضروري لم يشترط العقل فيه ، ووجوب الفكر والنظر ليس كذلك ، بل كثير من العقلاء يستقبحونه ، ويقولون إنه في الأكثر يفضي بصاحبه إلى الجهل ، فوجب الاحتراز منه ، والثاني: أيضًا باطل ، لأنه إذا كان العلم بوجوبه يكون نظريًا ، فحينئذٍ لا يمكنه العلم بوجوب النظر قبل النظر ، فتكليفه بذلك يكون تكليف ما لا يطاق ، وأما بعد النظر فلا يمكنه النظر ، لأنه لا فائدة فيه ، والثالث: باطل ، لأنه قبل النظر لا يكون متمكنًا من معرفة وجوب النظر ، وبعد النظر لا يمكنه إيجابه أيضًا لعدم الفائدة ، وإذا بطلت الأقسام ثبت نفي الوجوب . المقام الثالث: وهو أن بتقدير كون النظر مفيدًا للعلم ومقدورًا للمكلف ، لكنه يقبح من الله أن يأمر المكلف به ، وبيانه من وجوه: أحدها: أن النظر في أكثر الأمر يفضي بصاحبه إلى الجهل فالمقدم عليه مقدم على أمر يفضي به غالبًا إلى الجهل . وما يكون كذلك يكون قبيحًا ، فوجب أن يكون الفكر قبيحًا ، والله تعالى لا يأمر بالقبيح . وثانيها: أن الواحد منا مع ما هو عليه من النقص وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات الكثيرة المتعارضة ، لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحق والباطل . فلما رأينا أرباب المذاهب كل واحد منهم يدعي أن الحق معه ، وأن الباطل مع خصمه ثم إذا تركوا التعصب واللجاج وأنصفوا ، وجدوا الكلمات متعارضة ، وذلك يدل على عجز العقل عن إدراك هذه الحقائق . وثالثها: أن مدار الدين لو كان على النظر في حقائق الدلائل لوجب أن لا يستقر الإنسان على الإيمان ساعة واحدة ، لأن صاحب النظر إذا خطر بباله سؤال على مقدمة من مقدمات دليل الدين ، فقد صار بسبب ذلك السؤال شاكًا في تلك المقدمة ، وإذا صار بعض مقدمات الدليل مشكوكًا فيه . صارت النتيجة ظنية . لأن المظنون لا يفيد اليقين ، فيلزم أن يخرج الإنسان في كل ساعة عن الدين ، بسبب كل ما يخطر بباله من الأسئلة والمباحث . ورابعها: أنه اشتهر في الألسنة أن من طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومن طلب الدين بالكلام تزندق ، وذلك يدل على أنه لا يجوز فتح الباب فيه: المقام الرابع: أن بتقدير أنه في نفسه غير قبيح ، ولكنا نقيم الدلالة على أن الله ورسوله ما أمرا بذلك ، والذي يدل عليه أن هذه المطالب لا تخلو ، إما أن يكون العلم بدلائلها علمًا ضروريًا غنيًا عن التعلم والاستفادة ، وإما أن لا يكون كذلك ، بل يحتاج في تحصيلها إلى التأمل والتدبر والاستفادة ، والأول باطل ، وإلا لوجب أن يحصل ذلك لكل الناس وهو مكابرة ولأنا نجرب أذكى الناس في هذا العلم فلا يمكنه تحصيله في السنين المتطاولة بعد الاستعانة بالأستاذ والتصانيف . وإن كان الثاني وجب أن لا يحصل ذلك العلم للإنسان ، إلا بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة ، فلو كان الدين مبنيًا عليه ، لوجب أن لا يحكم الرسول بصحة إسلام الرجل إلا بعد أن يسأله عن هذه المسائل ، ويجربه في معرفة هذه الدلائل على الاستقصاء . ولو فعل الرسول ذلك لاشتهر ولما لم يشتهر بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنه كان يحكم بإسلام من يعلم بالضرورة أنه لم يخطر بباله شيء من ذلك ، علمنا أن ذلك غير معتبر في صحة الدين ، فإن قيل: معرفة أصول الدلائل حاصلة لأكثر العقلاء ، إنما المحتاج إلى التدقيق دفع الأسئلة والجواب عن الشبهات وذلك غير معتبر في صحة أصل الدين ، قلنا هذا ضعيف لأن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان ألبتة ، وذلك لأن الدليل إذا كان مبنيًا على مقدمات عشرة فإن كان الرجل جازمًا بصحة تلك المقدمات كان عارفًا بالدليل معرفة لا يمكن الزيادة عليها ، لأن الزيادة على تلك العشرة إن كان معتبرًا في تحقق ذلك الدليل بطل قولنا إن ذلك الدليل مركب من العشرة فقط ، وإلا لم يكن معتبرًا لم يكن العلم به علمًا بزيادة شيء في الدليل ، بل يكون علمًا منفصلًا . فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أيضًا ، لأن تسعة منها لو كانت يقينية وكانت المقدمة العاشرة ظنية استحال كون المطلوب يقينيًا لأن المبني على الظني أولى أن يكون ظنيًا فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان وبطل ببطلانه ذلك السؤال مثاله إذا رأى الإنسان حدوث مطر ورعد وبرق بعد أن كان الهواء صافيًا قال سبحان الله ، فمن الناس من قال: إن قوله سبحان الله يدل على أنه عرف الله بدليله ، وهذا باطل لأنه إنما يكون عارفًا بالله إذا عرف بالدليل أن ذلك الحادث لا بدّ له من مؤثر ثم يعرف بالدليل أنه يستحيل أن يكون المؤثر فيه سوى الله تعالى ، وهذه المقدمة الثانية إنما تستقيم لو عرف بالدليل أنه يستحيل إسناد هذا الحدوث إلى الفلك والنجوم ، والطبيعة والعلة الموجبة . فإنه لو لم يعرف بطلان ذلك بالدليل لكان معتقدًا لهذه المقدمة الثانية من غير دليل فتكون المقدمة تقليدية ويكون المبني عليها تقليدًا لا يقينًا فثبت بهذا فساد ما قلتموه . المقام الخامس: أن نقول الاشتغال بعلم الكلام بدعة ، والدليل عليه القرآن والخبر والإجماع وقول السلف والحكم . أما القرآن فقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت