وأما الاحتمال الثالث: وهو أن يقال هذه الآية ليست من بقايا أحكام الجهاد ، بل هو حكم مبتدأ مستقل بنفسه ، وتقريره أن يقال إنه تعالى لما بين في هذه السورة أمر الهجرة ، ثم أمر الجهاد ، وهما عبادتان بالسفر ، بين أيضًا عبادة التفقه من جهة الرسول عليه السلام وله تعلق بالسفر . فقال: وما كان المؤمنون لينفروا كافة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين بل ذلك غير واجب وغير جائز ، وليس حاله كحال الجهاد معه الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له .
ثم قال: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ } يعني من الفرق الساكنين في البلاد ، طائفة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في ا لدين ، وليعرفوا الحلال والحرام ، ويعودوا إلى أوطانهم ، فينذروا ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم ، وعلى هذا التقدير يكون المراد وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للتفقه والتعلم .
فإن قيل: أفتدل الآية على وجوب الخروج للتفقه في كل زمان؟
قلنا: متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه السفر ، وفي زمان الرسول - عليه السلام - كان الأمر كذلك ، لأن الشريعة ما كانت مستقرة ، بل كان يحدث كل يوم تكليف جديد وشرع حادث . أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة ، فإذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يكن السفر واجبًا ، إلا أنه لما كان لفظ الآية دليلًا على السفر ، لا جرمَ رأينا أن العلم المبارك المنتفع به لا يحصل إلا في السفر .
المسألة الثانية: في تفسير الألفاظ المذكورة في هذه الآية «لولا» إذا دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل هلا ، وإنما جاز أن يكون لولا بمعنى هلا ، لأن هلا كلمتان هل وهو استفهام وعرض ، لأنك إذا قلت للرجل هل تأكل؟ هل تدخل؟ فكأنك عرضت ذلك عليه ، و «لا» وهو جحد ، فهلا مركب من أمرين: العرض ، والجحد . فإذا قلت: هلا فعلت كذا؟ فكأنك قلت: هل فعلت . ثم قلت معه: «لا» أي ما فعلته ، ففيه تنبيه على وجوب الفعل ، وتنبيه على أنه حصل الإخلال بهذا الواجب ، وهكذا الكلام في «لولا» لأنك إذا قلت: لولا دخلت علي ، ولولا أكلت عندي . فمعناه أيضًا عرض وإخبار عن سرورك به ، لو فعل ، وهكذا الكلام في «لوما» ومنه قوله: