قلنا: ذاك احتمال واحد ، وما ذكرنا احتمالات كثيرة ، ومصالح الدنيا مبنية على ترجيح ما هو أكثر مصلحة على ما هو الأقل ، وهذا الذي قلناه إنما قلناه إذا تعذر الجمع بين مقاتلة الأقرب والأبعد ، أما إذا أمكن الجمع بين الكل ، فلا كلام في أن الأولى هو الجمع ، فثبت أن هذه الآية غير منسوخة ألبتة .
وأما قوله تعالى: { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } قال الزجاج: فيها ثلاث لغات ، فتح الغين وضمها وكسرها . قال صاحب «الكشاف» : الغلظة بالكسر الشدة العظيمة ، والغلظة كالضغطة ، والغلظة كالسخطة ، وهذه الآية تدل على الأمر بالتغليظ عليهم ، ونظيره قوله تعالى: { واغلظ عَلَيْهِمْ } [ التوبة: 73 ] وقوله: { وَلاَ تَهِنُواْ } [ آل عمران: 139 ] ، [ النساء: 104 ] وقوله في صفة الصحابة - Bهم -: { أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } [ المائدة: 54 ] وقوله: { أَشِدَّاء عَلَى الكفار } [ الفتح: 29 ] وللمفسرين عبارات في تفسير الغلظة ، قيل شجاعة وقيل شدة وقيل غيظًا .
واعلم أن الغلظة ضد الرقة ، وهي الشدة في إحلال النقمة ، والفائدة فيها أنها أقوى تأثيرًا في الزجر والمنع عن القبيح ، ثم إن الأمر في هذا الباب لا يكون مطردًا ، بل قد يحتاج تارة إلى الرفق واللطف وأخرى إلى العنف ، ولهذا السبب قال: { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } تنبيهًا على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة ألبتة فإنه ينفر ويوجب تفرق القوم ، فقوله: { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } يدل على تقليل الغلظة ، كأنه قيل لا بد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا على أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة ، وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة ، ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة .
واعلم أن هذه الغلظة إنما تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين . وذلك إما بإقامة الحجة والبينة ، وإما بالقتال والجهاد ، فإما أن يحصل هذا التغليظ فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة والمؤاكلة فلا .
ثم قال: { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } والمراد أن يكون إقدامه على الجهاد والقتال بسبب تقوى الله ، لا بسبب طلب المال والجاه ، فإذا رآه قبل الإسلام أحجم عن قتاله ، وإذا رآه مال إلى قبوله الجزية تركه ، وإذا كثر العدو أخذ الغنائم على وفق حكم الله تعالى .