الرابع: أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلًا عرفوا نسبه وعرفوا كونه أمينًا بعيدًا عن أنواع التهم والأكاذيب ملازمًا للصدق والعفاف . ثم إنه كان أميًا لم يخالط أهل الأديان ، وما قرأ كتابًا أصلًا ألبتة ، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم ، وذلك يدل على كونه / صادقًا مصدقًا من عند الله ، ويزيل التعجب ، وهو من قوله: { هُوَ الذى بَعَثَ فِى الاميين رَسُولًا مّنْهُمْ } [ الجمعة: 2 ] وقال: { وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كتاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } [ العنكبوت: 48 ] الخامس: أن مثل هذا التعجب كان موجودًا عند بعثة كل رسول ، كما في قوله: { وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } [ لأعراف: 65 ] { وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا } [ الأعراف: 73 ] إلى قوله: { أوعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ على رَجُلٍ مّنْكُمْ } [ الأعراف: 63 ] السادس: أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال الله تعالى رسولًا من البشر ، أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك ، وإنما تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدًا E بالوحي والرسالة .
أما الأول: فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه ورسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات وغيرها .
وإذا ثبت هذا فنقول: الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم إليه أكمل والفهم به أقوى ، كما قال تعالى: { وَلَوْ جعلناه مَلَكًا لجعلناه رَجُلًا } [ الأنعام: 9 ] وقال: { قُل لَوْ كَانَ فِى الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولًا } [ الإسراء: 95 ] .
وأما الثاني: فبعيد لأن محمدًا E كان موصوفًا بصفات الخير والتقوى والأمانة ، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيمًا فقيرًا ، وهذا في غاية البعد ، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سببًا لنقصان الحال عنده ، ولا أن يكون الغنى سببًا لكمال الحال عنده . كما قال تعالى: { وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى } [ سبأ: 37 ] فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص الله تعالى محمدًا بالوحي والرسالة كلام فاسد .
المسألة الثانية: الهمزة في قوله: { أَكَانَ } لإنكار التعجب ولأجل التعجيب من هذا التعجب و { أَنْ أَوْحَيْنَا } اسم كان وعجبًا خبره ، وقرأ ابن عباس { عجب } فجعله اسمًا وهو نكرة و { أَنْ أَوْحَيْنَا } خبره وهو معرفة كقوله: يكون مزاجها عسل وماء . والأجود أن تكون «كان» تامة ، وأن أوحينا ، بدلًا من عجب .
المسألة الثالثة: أنه تعالى قال: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } ولم يقل أكان عند الناس عجبًا ، والفرق أن قوله: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والتعجب إليه! وليس في قوله: «أكان عند الناس عجبًا» هذا المعنى .
المسألة الرابعة: { أن } مع الفعل في قولنا: { أَنْ أَوْحَيْنَا } في تقدير المصدر وهو اسم كان وخبره ، هو قوله: { عَجَبًا } وإنما تقدم الخبر على المبتدأ ههنا لأنهم يقدمون الأهم ، والمقصود بالإنكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم ، وأما { أن } في قوله: { أَنْ أَنذِرِ الناس } فمفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول ، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأصله أنه أنذر الناس على معنى أن الشأن قولنا أنذر الناس .