الحجة السادسة: لو لم يحصل للإنسان معاد لكان الإنسان أخس من جميع الحيوانات في المنزلة والشرف . واللازم باطل ، فالملزوم مثله . بيان الملازمة أن مضار الإنسان في الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات ، فإن سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام والأسقام تكون فارغة البال طيبة النفس ، لأنه ليس لها فكر وتأمل . أما الإنسان فإنه بسبب ما يحصل له من العقل يتفكر أبدًا في الأحوال الماضية والأحوال المستقبلة ، فيحصل له بسبب أكثر الأحوال الماضية أنواع من الحزن والأسف ، ويحصل له بسبب أكثر الأحوال الآتية أنواع من الخوف ، لأنه لا يدري أنه كيف تحدث الأحوال . فثبت أن حصول العقل للإنسان سبب لحصول المضار العظيمة في الدنيا والآلام النفسانية الشديدة القوية . وأما اللذات الجسمانية فهي مشتركة بين الناس وبين سائر الحيوانات ، لأن السرقين في مذاق الجعل طيب ، كما أن اللوزينج في مذاق الإنسان طيب .
إذا ثبت هذا فنقول: لو لم يحصل للإنسان معاد به تكمل حالته وتظهر سعادته ، لوجب أن يكون كمال العقل ، سببًا لمزيد الهموم والغموم والأحزان من غير جابر يجبر ، ومعلوم أن كل ما كان كذلك فإنه يكون سببًا لمزيد الخسة والدناءة والشقاء والتعب الخالية عن المنفعة . فثبت أنه لولا حصول السعادة الأخروية لكان الأنسان أخس الحيوانات حتى الخنافس والديدان ، ولما كان ذلك باطلًا قطعًا ، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة ، وأن الإنسان خلق للآخرة لا للدنيا ، وأنه بعقله يكتسب موجبات السعادات الأخروية . فلهذا السبب كان العقل شريفًا .
الحجة السابعة: أنه تعالى قادر على إيصال النعم إلى عبيده على وجهين: أحدهما: أن تكون النعم مشوبة بالآفات والأحزان . والثاني: أن تكون خالصة عنها ، فلما أنعم الله تعالى في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علينا بالمرتبة الثانية في دار أخرى ، إظهارًا لكمال القدرة والرحمة والحكمة ، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ، ويزيل الغموم والهموم والشهوات والشبهات . والذي يقوي ذلك ، ويقرر هذا الكلام أن الإنسان حين كان جنينًا في بطن أمه ، كان في أضيق المواضع وأشدها عفونة وفسادًا ، ثم إذا خرج من بطن أمه كانت الحالة الثانية أطيب وأشرف من الحالة الأولى ، ثم إنه عند ذلك يوضع في المهد ويشد شدًا وثيقًا ، ثم بعد حين يخرج من المهد ويعدو يمينًا وشمالًا ، وينتقل من تناول اللبن إلى تناول الأطعمة الطيبة ، وهذه الحالة الثالثة لا شك أنها أطيب من الحالة الثانية ، ثم إنه بعد حين يصير أميرًا نافذ الحكم على الخلق ، أو عالمًا مشرفًا على حقائق الأشياء ، ولا شك أن هذه الحالة الرابعة أطيب وأشرف من الحالة الثالثة . وإذا ثبت هذا وجب بحكم هذا الاستقراء أن يقال: الحالة الحاصلة بعد الموت تكون أشرف وأعلى وأبهج من اللذات الجسدانية والخيرات الجسمانية .