فهرس الكتاب

الصفحة 3716 من 8321

ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر هذا المعنى حكى كلام المنكر ، وهو قوله تعالى: { قَالَ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } [ يس: 78 ] ثم إنه تعالى بين إمكان هذا المذهب .

واعلم أن إثبات إمكان الشيء لا يعقل إلا بطريقين: أحدهما: أن يقال: إن مثله ممكن ، فوجب أن يكون هذا أيضًا ممكنًا . والثاني: أن يقال: إن ما هو أعظم منه وأعلى حالًا منه ، فهو أيضًا ممكن . ثم إنه تعالى ذكر الطريق الأول أولًا فقال: { قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } [ يس: 79 ] ثم فيه دقيقة وهي أن قوله: { قُلْ يُحْيِيهَا } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله: { وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } إشارة إلى كمال العلم . ومنكرو الحشر والنشر لا ينكرونه إلا لجهلهم بهذين الأصلين ، لأنهم تارة يقولون: إنه تعالى موجب بالذات ، والموجب بالذات لا يصح منه القصد إلى التكوين ، وتارة يقولون إنه يمتنع كونه عالمًا بالجزئيات ، فيمتنع منه تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ، ولما كانت شبه الفلاسفة مستخرجة من هذين الأصلين ، لا جرم كلما ذكر الله تعالى مسألة المعاد أردفه بتقرير هذين الأصلين ثم إنه تعالى ذكر بعده الطريق الثاني ، وهو الاستدلال بالأعلى على الأدنى ، وتقريره من وجهين: الأول: أن الحياة لا تحصل إلا بالحرارة والرطوبة ، والتراب بارد يابس ، فحصلت المضادة بينهما . إلا أنا نقول: الحرارة النارية أقوى في صفة الحرارة من الحرارة الغريزية ، فلما لم يمتنع تولد الحرارة النارية عن الشجر الأخضر مع كمال ما بينهما من المضادة ، فكيف يمتنع حدوث الحرارة الغريزية في جرم التراب؟ الثاني: قوله تعالى: { أَوَلَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } [ يس: 81 ] بمعنى أنه لما سلمتم أنه تعالى هو الخالق لأجرام الأفلاك والكواكب ، فكيف يمكنكم الامتناع عن كونه قادرًا على الحشر والنشر؟ ثم إنه تعالى حسم مادة الشبهات بقوله: { إِنَّمَا أَمْرُه إذا أراد شيئًا أن يقول لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ يس: 82 ] والمراد أن تخليقه وتكوينه لا يتوقف على حصول الآلات والأدوات ونطفة الأب ورحم الأم ، والدليل عليه أنه خلق الأب الأول ، لا عن أب سابق عليه ، فدل ذلك على كونه سبحانه غنيًا في الخلق والإيجاد والتكوين عن الوسائط والآلات . ثم قال سبحانه: { فسبحان الذى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ يس: 83 ] أي سبحانه من أن لا يعيدهم ويهمل أمر المظلومين ، ولا ينتصف للعاجزين من الظالمين ، وهو المعنى المذكور في هذه الآية التي نحن في تفسيرها ، وهي قوله سبحانه: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } .

الحجة الثانية عشر: دلت الدلائل على أن العالم محدث ولا بد له من محدث قادر ، ويجب أن يكون عالمًا ، لأن الفعل المحكم المتقن لا يصدر إلا من العالم ، ويجب أن يكون غنيًا عنها وإلا لكان قد خلقها في الأزل وهو محال ، فثبت أن لهذا العالم إلهًا قادرًا عالمًا غنيًا ، ثم لما تأملنا فقلنا: هل يجوز في حق هذا الحكيم الغني عن الكل أن يهمل عبيده ويتركهم سدى ، ويجوز لهم أن يكذبوا عليه ويبيح لهم أن يشتموه ويجحدوا ربوبيته ، ويأكلوا نعمته ، ويعبدوا الجبت والطاغوت ، ويجعلوا له أندادًا وينكروا أمره ونهيه ووعده ووعيده؟ فههنا حكمت بديهة العقل بأن هذه المعاني لا تليق إلا بالسفيه الجاهل البعيد من الحكمة . القريب من العبث ، فحكمنا لأجل هذه المقدمة أن له أمرًا ونهيًا ، ثم تأملنا فقلنا: هل يجوز أن يكون له أمر ونهي مع أنه لا يكون له وعد ووعيد؟ فحكم صريح العقل بأن ذلك غير جائز لأنه إن لم يقرن الأمر بالوعد بالثواب ، ولم يقرن النهي بالوعيد بالعقاب لم يتأكد الأمر والنهي ، ولم يحصل المقصود . فثبت أنه لا بد من وعد ووعيد ، ثم تأملنا فقلنا: هل يجوز أن يكون له وعد ووعيد ثم إنه لا يفي بوعده لأهل الثواب ، ولا بوعيده لأهل العقاب: فقلنا: إن ذلك لا يجوز ، لأنه لو جاز ذلك لما حصل الوثوق بوعده ولا بوعيده ، وهذا يوجب أن لا يبقى فائدة في الوعد والوعيد ، فعلمنا أنه لا بد من تحقيق الثواب والعقاب ، ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالحشر والبعث ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . فهذه مقدمات يتعلق بعضها ببعض كالسلسلة متى صح بعضها صح كلها ، ومتى فسد بعضها فسد كلها ، فدل مشاهدة أبصارنا لهذه التغيرات على حدوث العالم ، ودل حدوث العالم على وجود الصانع الحكيم الغني ، ودل ذلك على وجود الأمر والنهي ، ودل ذلك على وجود الثواب والعقاب ، ودل ذلك على وجوب الحشر . فإن لم يثبت الحشر أدى ذلك إلى بطلان جميع المقدمات المذكورة ولزم إنكار العلوم البديهية وإنكار العلوم النظرية القطعية . فثبت أنه لا بد لهذه الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة المتمزقة من البعث بعد الموت ، ليصل المحسن إلى ثوابه والمسيء إلى عقابه ، فإن لم تحصل هذه الحالة لم يحصل الوعد والوعيد ، وإن لم يحصلا لم يحصل الأمر والنهي ، وإن لم يحصلا لم تحصل الإلهية ، وإن لم تحصل الإلهية لم تحصل هذه التغيرات في العالم . وهذه الحجة هي المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } هذا كله تقرير إثبات المعاد بناء على أن لهذا العالم إلهًا رحيمًا ناظرًا محسنًا إلى العباد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت