فهرس الكتاب

الصفحة 3741 من 8321

فإن قالوا: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟

قلنا: معناه: إن المضرور لا يزال داعيًا لا يفتر عن الدعاء إلى أن يزول عنه الضر ، سواء كان مضطجعًا أو قاعدًا أو قائمًا .

والوجه الثاني: أن تكون هذه الأحوال الثلاثة تعديدًا لأحوال الضر ، والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا دعانا وهو قول الزجاج . والأول: أصح ، لأن ذكر الدعاء أقرب إلى هذه الأحوال من ذكر الضر ، ولأن القول بأن هذه الأحوال أحوال للدعاء يقتضي مبالغة الإنسان في الدعاء ، ثم إذا ترك الدعاء بالكلية وأعرض عنه كان ذلك أعجب .

المسألة الخامسة: في قوله: { مَرَّ } وجوه: الأول: المراد منه أنه مضى على طريقته الأولى / قبل مس الضر ونسي حال الجهد . الثاني: مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به .

المسألة السادسة: قوله تعالى: { كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ } تقديره: كأنه لم يدعنا ، ثم أسقط الضمير عنه على سبيل التخفيف ونظيره قوله تعالى: { كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ } [ يونس: 45 ] قال الحسن: نسي ما دعا الله فيه ، وما صنع الله به في إزالة ذلك البلاء عنه:

المسألة السابعة: قال صاحب «النظم» : قوله: { وَإِذَا مَسَّ الإنسان } { إِذَا } موضوعة للمستقبل .

ثم قال: { فَلَمَّا كَشَفْنَا } وهذا للماضي ، فهذا النظم يدل على أن معنى الآية أنه هكذا كان فيما مضى وهكذا يكون في المستقبل . فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل ، وما فيه من الفعل الماضي على ما فيه من المعنى الماضي ، وأقول البرهان العقلي مساعد على هذا المعنى وذلك لأن الإنسان جبل على الضعف والعجز وقلة الصبر ، وجبل أيضًا على الغرور والبطر والنسيان والتمرد والعتو ، فإذا نزل به البلاء حمله ضعفه وعجزه على كثرة الدعاء والتضرع ، وإظهار الخضوع والانقياد ، وإذا زال البلاء ووقع في الراحة استولى عليه النسيان فنسي إحسان الله تعالى إليه ، ووقع في البغي والطغيان والجحود والكفران . فهذه الأحوال من نتائج طبيعته ولوازم خلقته ، وبالجملة فهؤلاء المساكين معذورون ولا عذر لهم .

المسألة الثامنة: في قوله تعالى: { كذلك زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أبحاث:

البحث الأول: أن هذا المزين هو الله تعالى أو النفس أو الشيطان ، فرع على مسألة الجبر والقدر وهو معلوم .

البحث الثاني: في بيان السبب الذي لأجله سمى الله سبحانه الكافر مسرفًا . وفيه وجوه:

الوجه الأول: قال أبو بكر الأصم: الكافر مسرف في نفسه وفي ماله ومضيع لهما ، أما في النفس فلأنه جعلها عبدًا للوثن ، وأما في المال فلأنهم كانوا يضيعون أموالهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .

الوجه الثاني: قال القاضي: إن من كانت عادته أن يكون عند نزول البلاء كثير التضرع والدعاء ، وعند زوال البلاء ونزول الآلاء معرضًا عن ذكر الله متغافلًا عنه غير مشتغل بشكره ، كان مسرفًا في أمر دينه متجاوزًا للحد في الغفلة عنه ، ولا شبهة في أن المرء كما يكون مسرفًا في الإنفاق فكذلك يكون مسرفًا فيما يتركه من واجب أو يقدم عليه من قبيح ، إذا تجاوز الحد فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت