ومنهم من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الشرائع العقلية ، وحاصلها يرجع إلى أمرين: التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله . وإليه الإشارة بقوله تعالى: { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وبالوالدين إِحْسَانًا } [ الأنعام: 151 ] واعلم أن هذه المسألة قد استقصينا فيها في سورة البقرة ، فلنكتف بهذا القدر ههنا .
أما قوله تعالى: { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فاعلم أنه ليس في الآية ما يدل على أن تلك الكلمة ما هي؟ وذكروا فيه وجوهًا: الأول: أن يقال لولا أنه تعالى أخبر بأنه يبقى التكليف على عباده ، وإن كانوا به كافرين ، لقضى بينهم بتعجيل الحساب والعقاب لكفرهم ، لكن لما كان ذلك سببًا لزوال التكليف ، ويوجب الإلجاء ، وكان إبقاء التكليف أصوب وأصلح ، لا جرم أنه تعالى أخر هذا العقاب إلى الآخرة . ثم قال هذا القائل ، وفي ذلك تصبير للمؤمنين على احتمال المكاره من قبل الكافرين والظالمين . الثاني: { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعامًا عليهم ، لقضى بينهم في اختلافهم ، بما يمتاز المحق من المبطل والمصيب من المخطىء الثالث: أن تلك الكلمة هي قوله: «سبقت رحمتي غضبي» فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال وإمهاله إلى وقت الوجدان .