فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 8321

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان: 25 ، الزمر: 38 ] .

المسألة الثالثة: أن الله تعالى ذكر ههنا خمسة أنواع من الدلائل اثنين من الأنفس وثلاثة من الآفاق ، فبدأ أولًا بقوله: { خَلَقَكُمْ } وثانيًا: بالآباء والأمهات ، وهو قوله: { والذين مِن قَبْلِكُمْ } وثالثًا: بكون الأرض فراشًا ، ورابعًا: بكون السماء بناء ، وخامسًا: بالأمور الحاصلة من مجموع السماء والأرض ، وهو قوله: { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ } ولهذا الترتيب أسباب . الأول: أن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه ، وعلم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ، وإذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم ، فكل ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة ، وكان أولى بالذكر . فلهذا السبب قدم ذكر نفس الإنسان ، ثم ثناه بآبائه وأمهاته ثم ثلث بالأرض ، لأن الأرض أقرب إلى الإنسان من السماء والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء ، وإنما قدم ذكر السماء على نزول الماء من السماء وخروج الثمرات بسببه لأن ذلك كالأمر المتولد من السماء والأرض والأثر متأخر عن المؤثر ، فلهذا السبب أخر الله ذكره عن ذكر الأرض والسماء . الثاني: هو أن خلق المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم ، وأما خلق الأرض والسماء والماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة ، فلا جرم قدم ذكر الأصول على الفروع . الثالث: أن كل ما في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل في الإنسان ، وقد حصل في الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيهما؟ لأن الإنسان حصل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل ، وكل ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى . فلما كانت وجوه الدلائل له ههنا أتم كان أولى بالتقديم ، واعلم أنا كما ذكرنا السبب في الترتيب فلنذكر في كل واحد من هذه الثلاثة من المنافع .

المسألة الرابعة: اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر ههنا أنه جعل الأرض فراشًا ، ونظيره قوله: { أَم مَّنْ جَعَلَ الأرض قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا } [ النمل: 61 ] وقوله: { الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض مهادا } [ الزخرف: 10 ] واعلم أن كون الأرض فراشًا مشروط بأمور: الشرط الأول: كونها ساكنة ، وذلك لأنها لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالإستقامة أو بالاستدارة ، فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشًا لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية ، وذلك الإنسان هاوٍ ، والأرض أثقل من الإنسان ، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والأَبطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشًا ، أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها؛ لأن حركة الأرض مثلًا إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك أن حركة الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد ، فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي ساكنة ، ثم اختلفوا في سبب ذلك السكون على وجوه: أحدها: أن الأرض لا نهاية لها من جانب السفل ، وإذا كان كذلك لم يكن لها مهبط فلا تنزل وهذا فاسد لما ثبت بالدليل تناهي الأجسام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت