فهرس الكتاب

الصفحة 3775 من 8321

ثم قال: { فأنى تُصْرَفُونَ } والمعنى أنكم لما عرفتم هذا الأمر الواضح الظاهر { فأنى تُصْرَفُونَ } وكيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر ، واعلم أن الجبائي قد استدل بهذه الآية وقال: هذا يدل على بطلان قول المجبرة أنه تعالى يصرف الكفار عن الإيمان ، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يقول: { فأنى تُصْرَفُونَ } كما لا يقول إذا أعمى بصر أحدهم إني عميت ، واعلم أن الجواب عنه سيأتي عن قريب .

أما قوله: { كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ عَلَى الذين فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله تعالى وإرادته ، وتقريره أنه تعالى أخبر عنهم خبرًا جزمًا قطعًا أنهم لا يؤمنون ، فلو آمنوا لكان إما أن يبقى ذلك الخبر صدقًا أو لا يبقى ، والأول باطل ، لأن الخبر بأنه لا يؤمن يمتنع أن يبقى صدقًا حال ما يوجد الإيمان منه والثاني أيضًا باطل ، لأن انقلاب خبر الله تعالى كذبًا محال فثبت أن صدور الإيمان منهم محال . والمحال لا يكون مرادًا ، فثبت أنه تعالى ما أراد الإيمان من هذا الكافر وأنه أراد الكفر منه ، ثم نقول: إن كان قوله: { فأنى تُصْرَفُونَ } يدل على صحة مذهب القدرية ، فهذه الآية الموضوعة بجنبه تدل على فساده ، وقد كان من الواجب على الجبائي مع قوة خاطره حين استدل بتلك الآية على صحة قوله أن يذكر هذه الحجة ويجيب عنها حتى يحصل مقصوده .

المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر { كلمات رَبَّكَ } على الجمع وبعده { إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كلمات رَبَّكَ } [ يونس: 96 ] وفي حم المؤمن { كَذَلِكَ حَقَّتْ كلمات } [ غافر: 6 ] كله بالألف على الجمع والباقون { كَلِمَتُ رَبّكَ } في جميع ذلك على لفظ الوحدان .

المسألة الثالثة: الكاف في قوله: { كذلك } للتشبيه ، وفيه قولان: الأول: أنه كما ثبت وحق أنه ليس بعد الحق إلا الضلال كذلك حقت كلمة ربك بأنهم لا يؤمنون . الثاني: كما حق صدور العصيان منهم ، كذلك حقت كلمة العذاب عليهم .

المسألة الرابعة: { أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بدل من { كلمت } أي حق عليهم انتفاء الإيمان .

المسألة الخامسة: المراد من كلمة الله إما إخباره عن ذلك وخبره صدق لا يقبل التغير والزوال ، أو علمه بذلك ، وعلمه لا يقبل التغير والجهل . وقال بعض المحققين: علم الله تعلق بأنه لا يؤمن وخبره تعالى تعلق بأنه لا يؤمن ، وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه ، بل بخلق الكفر فيه وإرادته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه ، بل بخلق الكفر فيه ، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ ، وأشهد عليه ملائكته ، وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه ، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء ، فينقلب علمه جهلًا ، وخبره الصدق كذبًا ، وقدرته عجزًا ، وإرادته كرهًا ، وإشهاده باطلًا ، وإخبار الملائكة والأنبياء كذبًا ، وكل ذلك محال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت