فهرس الكتاب

الصفحة 3792 من 8321

إذا عرفت هذا فنقول: أنه متى قوبلت الخيرات الحاصلة بسبب الحياة العاجلة بالآفات الحاصلة للكافر وجدت أقل من اللذة بالنسبة إلى جميع العالم فقوله: { كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النهار } إشارة إلى ما ذكرناه من قلتها وحقارتها في جنب ما حصل من العذاب الشديد .

أما قوله: { يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } ففيه وجوه: الأول: يعرف بعضهم بعضًا كما كانوا يعرفون في الدنيا . الثاني: يعرف بعضهم بعضًا بما كانوا عليه من الخطأ والكفر ، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب وتبرأ بعضهم من بعض .

فإن قيل: كيف توافق هذه الآية قوله: { وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا } [ المعارج: 10 ] والجواب عنه من وجهين:

الوجه الأول: أن المراد من هذه الآية أنهم يتعارفون بينهم يوبخ بعضهم بعضًا ، فيقول: كل فريق للآخر أنت أضللتني يوم كذا وزينت لي الفعل الفلاني من القبائح ، فهذا تعارف تقبيح وتعنيف وتباعد وتقاطع لا تعارف عطف وشفقة . وأما قوله تعالى: { وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا } فالمراد سؤال الرحمة والعطف .

والوجه الثاني: في الجواب حمل هاتين الآيتين على حالتين ، وهو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة فلذلك لا يسأل حميم حميمًا .

أما قوله تعالى: { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله } ففيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير: ويوم يحشرهم حال كونهم متعارفين ، وحال كونهم قائلين { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله } الثاني: أن يكون { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ } كلام الله ، فيكون هذا شهادة من الله عليهم بالخسران ، والمعنى: أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر ، لأنه أعطى الكثير الشريف الباقي وأخذ القليل الخسيس الفاني .

وأما قوله: { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } فالمراد أنهم ما اهتدوا إلى رعاية مصالح هذه التجارة ، وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن الحقيقة ، فصاروا كمن رأى زجاجة حسنة فظنها جوهرة شريفة فاشتراها بكل ما ملكه ، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع في حرقة الروع وعذاب القلب . وأما قوله: { وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } فاعلم أن قوله { فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } جواب { نَتَوَفَّيَنَّكَ } وجواب { نُرِيَنَّكَ } محذوف ، والتقدير: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك أو نتوفينك قبل أن نرينك ذلك الموعد فإنك ستراه في الآخرة .

واعلم أن هذا يدل على أنه تعالى يُري رسوله أنواعًا من ذل الكافرين وخزيهم في الدنيا ، وسيزيد عليه بعد وفاته ، ولا شك أنه حصل الكثير منه في زمان حياة رسول الله A ، وحصل الكثير أيضًا بعد وفاته ، والذي سيحصل يوم القيامة أكثر ، وهو تنبيه على أن عاقبة المحقين محمودة وعاقبة المذنبين مذمومة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت