[ يوسف: 102 ] ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى فقيل: أجمعت على الأمر ، أي عزمت عليه ، والأصل أجمعت الأمر .
البحث الثاني: روى الأصمعي عن نافع { فَاجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } بوصل الألف من الجمع وفيه وجهان: الأول: قال أبو علي الفارسي: فاجمعوا ذوي الأمر منكم فحذف المضاف ، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت . الثاني: قال ابن الأنباري: المراد من الأمر ههنا وجوه كيدهم ومكرهم ، فالتقدير: ولا تدعوا من أمركم شيئًا إلا أحضرتموه .
والقيد الثاني: قوله: { وَشُرَكَاءكُمْ } وفيه أبحاث:
البحث الأول: الواو ههنا بمعنى مع ، والمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم ، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها ، ولو خليت نفسك والأسد لأكلك .
البحث الثاني: يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها بالآلهة ، ويحتمل أن يكون المراد منها من كان على مثل قولهم ودينهم ، فإن كان المراد هو الأول فإنما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على مذهبهم من أنها تضر وتنفع ، وإن كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ظاهر .
البحث الثالث: قرأ الحسن وجماعة من القراء { وَشُرَكَاؤُكُمْ } بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع ، والتقدير: فأجمعوا أنتم وشركاؤكم . قال الواحدي: وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله: { اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } [ البقرة: 35 ] لأن قوله: { أَمَرَكُمُ } فصل بين الضمير وبين المنسوق ، فكان كالعوض من التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة ، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف .
القيد الثالث: قوله: { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } قال أبو الهيثم: أي مبهمًا من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة:
لعمري ما أمري علي بغمة ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد
وقال الليث: إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له . قال الزجاج: أي ليكن أمركم ظاهرًا منكشفًا .
القيد الرابع: قوله: { ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ } وفيه بحثان:
البحث الأول: قال ابن الأنباري معناه ثم امضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به ، تقول العرب: قضى فلان ، يريدون مات ومضى ، وقال بعضهم: قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه وبه يسمى القاضي ، لأنه إذا حكم فقد فرغ فقوله: { ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ } أي افرغوا من أمركم وامضوا ما في أنفسكم واقطعوا ما بيني وبينكم ، ومنه قوله تعالى: { وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسراءيل فِي الكتاب } [ الإسراء: 4 ] أي أعلمناهم إعلامًا قاطعًا ، قال تعالى: { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر } [ الحجر: 66 ] قال القفال C تعالى ومجاز دخول كلمة { إلى } في هذا الموضع من قولهم برئت إليك وخرجت إليك من العهد ، وفيه معنى الإخبار فكأنه تعالى قال: ثم اقضوا ما يستقر رأيكم عليه محكمًا مفروغًا منه .
البحث الثاني: قرىء { ثم أفضوا إلي } بالفاء بمعنى ثم انتهوا إلى بشركم ، وقيل: هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء ، أي أصحروا به إلي وأبرزوه إلي .