فهرس الكتاب

الصفحة 3854 من 8321

وجوابنا: أن حمل الإذن على ما ذكرتم ترك للظاهر وذلك لا يجوز ، لا سيما وقد بينا أن الدليل القاطع العقلي يقوي قولنا .

المسألة الثالثة: قرأ أبو بكر عن عاصم { وَنَجْعَلُ } بالنون وقرأ الباقون بالياء كناية عن اسم الله تعالى .

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى بقوله تعالى: { وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } وتقريره أن الرجس قد يراد به العمل القبيح قال تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [ الأحزاب: 33 ] والمراد من الرجس ههنا العمل القبيح ، سواء كان كفرًا أو معصية ، وبالتطهير نقل العبد من رجس الكفر والمعصية إلى طهارة الإيمان والطاعة ، فلما ذكر الله تعالى فيما قبل هذه الآية أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى وتخليقه ، ذكر بعده أن الرجس لا يحصل إلا بتخليقه وتكوينه . والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر ، فثبت دلالة هذه الآية على أن الكفر والإيمان من الله تعالى .

أجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه فقال: الرجس ، يحتمل وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون المراد منه العذاب ، فقوله: { وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } أي يلحق العذاب بهم كما قال: { وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } [ الفتح: 6 ] والثاني: أنه تعالى يحكم عليهم بأنهم رجس كما قال: { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة: 28 ] والمعنى أن الطهارة الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم .

والجواب: أنا قد بينا بالدليل العقلي أن الجهل لا يمكن أن يكون فعلًا للعبد لأنه لا يريده ولا يقصد إلى تكوينه ، وإنما يريد ضده ، وإنما قصد إلى تحصيل ضده ، فلو كان به لما حصل إلا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب . وأما حمل الرجس على العذاب ، فهو باطل ، لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره ، فحمل هذا اللفظ على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب الله مع كونه حقًا صدقًا صوابًا ، وأما حمل لفظ الرجس على حكم الله برجاستهم ، فهو في غاية البعد ، لأن حكم الله تعالى بذلك صفته ، فكيف يجوز أن يقال إن صفة الله رجس ، فثبت أن الحجة التي ذكرناها ظاهرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت