فهرس الكتاب

الصفحة 3858 من 8321

والقيد الرابع: قوله: { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الواو في قوله: { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } حرف عطف وفي المعطوف عليه وجهان: الأول: أن قوله: { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ } قائم مقام قوله وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } الثاني: أن قوله: { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } قائم مقام قوله: { وَأُمِرْتُ } بإقامة الوجه ، فصار التقدير وأمرت بأن أكون من المؤمنين وبإقامة الوجه للدين حنيفًا .

المسألة الثانية: إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية إلى طلب الدين ، لأن من يريد أن ينظر إلى شيء نظرًا بالاستقصاء ، فإنه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه لا بالقليل ولا بالكثير ، لأنه لو صرفه عنه ، ولو بالقليل فقد بطلت تلك المقابلة ، وإذا بطلت تلك المقابلة ، فقد اختل الأبصار ، فلهذا السبب حسن جعل إقامة الوجه للدين كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين ، وقوله: { حَنِيفًا } أي مائلًا إليه ميلًا كليًا معرضًا عما سواه إعراضًا كليًا ، وحاصل هذا الكلام هو الإخلاص التام ، وترك الالتفات إلى غيره ، فقوله أولًا: { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين } إشارة إلى تحصيل أصل الإيمان ، وقوله: { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا } إشارة إلى الاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه .

والقيد الخامس: قوله: { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } .

واعلم أنه لا يمكن أن يكون هذا نهيًا عن عبادة الأوثان ، لأن ذلك صار مذكورًا بقوله تعالى في هذه الآية: { فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو أن من عرف مولاه ، فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركًا ، وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي .

والقيد السادس: قوله تعالى: { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاد الحق ، وإذا كان كذلك فما سوى الحق فلا وجود له إلا إيجاد الحق ، وعلى هذا التقدير فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا الحق ، فكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك ، فلا حكم إلا لله ولا رجوع في الدارين إلا إلى الله .

ثم قال في آخر الآية: { فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظالمين } يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين ، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، فإذا كان ما سوى الحق معزولًا عن التصرف ، كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعًا للشيء في غير موضعه فيكون ظلمًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت