المسألة الثالثة: احتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء فقالوا: إن هذه الآية دلت على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي ، ثم إن محمدًا A طرد فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه الله تعالى في قوله: { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الأنعام: 52 ] وذلك يدل على إقدام محمد A على الذنب .
والجواب: يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق على سبيل التأبيد ، والطرد المذكور في واقعة محمد A ، على التقليل في أوقات معينة لرعاية المصالح .
المسألة الرابعة: احتج الجبائي على أنه لا تجوز الشفاعة عند الله في دفع العقاب بقول نوح عليه السلام { مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ } معناه إن كان هذا الطرد محرمًا فمن ذا الذي ينصرني من الله ، أي من الذي يخلصني من عقابه ولو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق نوح عليه السلام أيضًا جائزة وحينئذ يبطل قوله: { مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } واعلم أن هذا الاستدلال يشبه استدلالهم في هذه المسألة بقوله تعالى: { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } [ البقرة: 48 ، 123 ] إلى قوله: { وَلاَ هم يُنصَرُونَ } [ البقرة: 48 ، 123 ] والجواب المذكور هناك هو الجواب عن هذا الكلام .