يا ابنة عما لا تلومي واهجعي ... ثم حذف الألف للتخفيف .
واعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعاه إلى أن يركب السفينة حكى عن ابنه أنه قال: { سَاوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء } وهذا يدل على أن الابن كان متماديًا في الكفر مصرًا عليه مكذبًا لأبيه فيما أخبر عنه فعند هذا قال نوح عليه السلام: { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } وفيه سؤال ، وهو أن الذي C معصوم ، فكيف يحسن استثناء المعصوم من العاصم وهو قوله: { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله } وذكروا في الجواب طرقًا كثيرة .
الوجه الأول: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: { وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْريهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ هود: 41 ] فبين أنه تعالى رحيم وأنه برحمته يخلص هؤلاء الذين ركبوا السفينة من آفة الغرق .
إذا عرفت هذا فنقول: إن ابن نوح عليه السلام لما قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال نوح عليه السلام أخطأت { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } والمعنى: إلا ذلك الذي ذكرت أنه برحمته يخلص هؤلاء من الغرق فصار تقدير الآية: لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله الرحيم وتقديره: لا فرار من الله إلا إلى الله ، وهو نظير قوله عليه السلام في دعائه:"وأعوذ بك منك"وهذا تأويل في غاية الحسن .
الوجه الثاني: في التأويل وهو الذي ذكره صاحب «حل العقد» أن هذا الاستثناء وقع من مضمر هو في حكم الملفوظ لظهور دلالة اللفظ عليه ، والتقدير: لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا من رحم وهو كقولك لا نضرب اليوم إلا زيدًا ، فإن تقديره لا تضرب أحدًا إلا زيدًا إلا أنه ترك التصريح به لدلالة اللفظ عليه فكذا ههنا .
الوجه الثالث: في التأويل أن قوله: { لاَ عَاصِمَ } أي لا ذا عصمة كما قالوا: رامح ولابن ومعناه ذو رمح ، وذو لبن وقال تعالى: { مِن مَّاء دَافِقٍ } [ الطارق: 6 ] و { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ الحاقة: 21 ] ومعناه ما ذكرنا فكذا ههنا ، وعلى هذا التقدير: العاصم هو ذو العصمة ، فيدخل فيه المعصوم ، وحينئذ يصح استثناء قوله: { إِلاَّ مَن رَّحِمَ } منه .
الوجه الرابع: قوله: { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } عنى بقوله إلا من رحم نفسه ، لأن نوحًا وطائفته هم الذين خصهم الله تعالى برحمته ، والمراد: لا عاصم لك إلا الله بمعنى أن بسببه تحصل رحمة الله ، كما أضيف الإحياء إلى عيسى عليه السلام في قوله: { وأحيي الموتى } [ آل عمران: 49 ] لأجل أن الإحياء حصل بدعائه .
الوجه الخامس: أن قوله: { إِلاَّ مَن رَّحِمَ } استثناء منقطع ، والمعنى لكن من رحم الله معصوم ونظيره قوله تعالى: { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } [ النساء: 157 ] ثم إنه تعالى بين بقوله: { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج } أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح { فَكَانَ مِنَ المغرقين } .