الوجه الثاني: أن قوله: { فَلاَ تَسْأَلْنى } نهي له عن السؤال ، والمذكور السابق هو قوله { إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } فدل هذا على أنه تعالى نهاه عن ذلك السؤال فكان ذلك السؤال ذنبًا ومعصية .
الوجه الثالث: أن قوله: { فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } يدل على أن ذلك السؤال كان قد صدر لا عن العلم ، والقول بغير العلم ذنب لقوله تعالى: { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ البقرة: 169 ] .
الوجه الرابع: أن قوله تعالى: { إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين } يدل على أن ذلك السؤال كان محض الجهل . وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية الزجر ، وأيضًا جعل الجهل كناية عن الذنب مشهور في القرآن . قال تعالى: { يَعْمَلُونَ السوء بجهالة } [ النساء: 17 ] وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: { أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } [ البقرة: 67 ] .
الوجه الخامس: أن نوحًا عليه السلام اعترف بإقدامه على الذنب والمعصية في هذا المقام فإنه قال: { إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين } واعترافه بذلك يدل على أنه كان مذنبًا .
الوجه السادس: في التمسك بهذه الآية أن هذه الآية تدل على أن نوحًا نادى ربه لطلب تخليص ولده من الغرق ، والآية المتقدمة وهي قوله: { ونادى نُوحٌ ابنه } وقال: { يابنى اركب مَّعَنَا } تدل على أنه عليه السلام طلب من ابنه الموافقة . فنقول: إما أن يقال إن طلب هذا المعنى من الله كان سابقًا على طلبه من الولد أو كان بالعكس ، والأول باطل لأن بتقدير أن يكون طلب هذا المعنى من الله تعالى سابقًا على طلبه من الابن لكان قد سمع من الله أنه تعالى لا يخلص ذلك الابن من الغرق ، وأنه تعالى نهاه عن ذلك الطلب ، وبعد هذا كيف قال له: { يابنى اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } وأما إن قلنا: إن هذا الطلب من الابن كان متقدمًا فكان قد سمع من الابن قوله: { سَاوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء } وظهر بذلك كفره ، فكيف طلب من الله تخليصه ، وأيضًا أنه تعالى أخبر أن نوحًا لما طلب ذلك منه وامتنع هو صار من المغرقين فكيف يطلب من الله تخليصه من الغرق بعد أن صار من المغرقين ، فهذه الآية من هذه الوجوه الستة تدل على صدور المعصية من نوح عليه السلام .
واعلم أنه لما دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزيه الله تعالى الأنبياء عليهم السلام من المعاصي ، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل والأكمل ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلهذا السبب حصل هذا العتاب والأمر بالاستغفار ، ولا يدل على سابقة الذنب كما قال: