فإن قيل: فما السبب في كون الصيحة موجبة للموت؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها: أن الصيحة العظيمة إنما تحدث عند سبب قوي يوجب تموج الهواء وذلك التموج الشديد ربما يتعدى إلى صماخ الإنسان فيمزق غشاء الدماغ فيورث الموت . والثاني: أنها شيء مهيب فتحدث الهيبة العظيمة عند حدوثها والأعراض النفسانية إذا قويت أوجبت الموت الثالث: أن الصيحة العظيمة إذا حدثت من السحاب فلا بد وأن يصحبها برق شديد محرق ، وذلك هو الصاعقة التي ذكرها ابن عباس Bهما .
ثم قال تعالى: { فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين } والجثوم هو السكون يقال للطير إذا باتت في أوكارها أنها جثمت ، ثم إن العرب أطلقوا هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموت فوصف الله تعالى هؤلاء المهلكين بأنهم سكنوا عند الهلاك ، حتى كأنهم ما كانوا أحياء وقوله: { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } أي كأنهم لم يوجدوا ، والمغنى المقام الذي يقيم الحي به يقال: غني الرجل بمكان كذا إذا أقام به .
ثم قال تعالى: { أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لّثَمُودَ } قرأ حمزة وحفص عن عاصم { أَلا إِنَّ ثَمُودَ } غير منون في كل القرآن ، وقرأ الباقون { ثمودًا } بالتنوين ولثمود كلاهما بالصرف ، والصرف للذهاب إلى الحي ، أو إلى الأب الأكبر ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة .