فهرس الكتاب

الصفحة 3939 من 8321

{ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام } [ الزخرف: 89 ] على حذف الخبر .

واعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض ، رعاية للإذن المذكور في قوله تعالى: { لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } .

المسألة الثالثة: أكثر ما يستعمل { سلام عَلَيْكُمُ } بغير ألف ولام ، وذلك لأنه في معنى الدعاء ، فهو مثل قولهم: خير بين يديك .

فإن قيل: كيف جاز جعل النكرة مبتدأ؟

قلنا: النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ ، فإذا قلت سلام عليكم: فالتنكير في هذا الموضع يدل على التمام والكمال ، فكأنه قيل: سلام كامل تام عليكم ، ونظيره قولنا: سلام عليك ، وقوله تعالى: { قَالَ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } [ مريم: 47 ] وقوله: { سَلاَمٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ ياس: 58 ] { سلام على نُوحٍ فِى العالمين } [ الصافات: 79 ] { الملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ } [ الرعد: 23 ، 24 ] فأما قوله تعالى: { والسلام على مَنِ اتبع الهدى } [ طه: 47 ] فهذا أيضًا جائز ، والمراد منه الماهية والحقيقة . وأقول: قوله: { سلام عَلَيْكُمُ } أكمل من قوله: السلام عليكم ، لأن التنكير في قوله: { سلام عَلَيْكُمُ } يفيد الكمال والمبالغة والتمام . وأما لفظ السلام: فإنه لا يفيد إلا الماهية . قال الأخفش: من العرب من يقول: سلام عليكم فيعرى قوله: سلام عن الألف واللام والتنوين ، والسبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف ، والله أعلم .

ثم قال تعالى: { فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك ، ثم جاءه الملائكة فرأى أضيافًا لم ير مثلهم ، فعجل وجاء بعجل حنيذ ، فقوله: { فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } معناه: فما لبت في المجيء به بل عجل فيه ، أو التقدير: فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة . أما الحنيذ: فهو الذي يشوى في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة ، وهو من فعل أهل البادية معروف ، وهو محنوذ في الأصل كما قيل: طبيخ ومطبوخ ، وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسمه . يقال: حنذت الفرس إذا ألقيت عليه الجل حتى تقطر عرقًا .

ثم قال تعالى: { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ } أي إلى العجل ، وقال الفراء: إلى الطعام ، وهو ذلك العجل { نَكِرَهُمْ } أي أنكرهم . يقال: نكره وأنكره واستنكره .

واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا يشربون ، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها ، وهو كان مشغوفًا بالضيافة . وأما إبراهيم عليه السلام . فنقول: إما أن يقال: إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة ، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر ، أو يقال: إنه كان عالمًا بأنهم من الملائكة . أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران: أحدهما: أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس ، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروهًا ، وثانيها: أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف . وأما الاحتمال الثاني: وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله تعالى ، فسبب خوفه على هذا التقدير أيضًا أمران: أحدها: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه: والثاني: أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت