فهرس الكتاب

الصفحة 3958 من 8321

وأما الوجه الثالث: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: { إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت } والمعنى ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي ، وقوله: { مَا استطعت } فيه وجوه: الأول: أنه ظرف والتقدير: مدة استطاعتي للإصلاح وما دمت متمكنًا منه لا آلو فيه جهدًا . والثاني: أنه بدل من الإصلاح ، أي المقدار الذي استطعت منه . والثالث: أن يكون مفعولًا له أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه .

واعلم أن المقصود من هذا الكلام أن القوم كانوا قد أقروا بأنه حليم رشيد ، وإما أقروا له بذلك لأنه كان مشهورًا فيما بين الخلق بهذه الصفة ، فكأنه عليه السلام قال لهم إنكم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح وإزالة الفساد والخصومة ، فلما أمرتكم بالتوحيد وترك إيذاء الناس ، فاعلموا أنه دين حق وأنه ليس غرضي منه إيقاع الخصومة وإثارة الفتنة ، فإنكم تعرفون أني أبغض ذلك الطريق ولا أدور إلا على ما يوجب الصلح والصلاح بقدر طاقتي ، وذلك هو الإبلاغ والإنذار ، وأما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه ، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله: { وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } وبين بهذا أن توكله واعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق الله تعالى وهدايته .

واعلم أن قوله عليه السلام توكلت إشارة إلى محض التوحيد ، لأن قوله عليه السلام توكلت يفيد الحصر ، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى وكيف وكل ما سوى الحق سبحانه ممكن لذاته فإن بذاته ، ولا يحصل إلا بإيجاده وتكوينه ، وإذا كان كذلك لم يجز التوكل إلا على الله تعالى وأعظم مراتب معرفة المبدأ هو الذي ذكرناه ، وأما قوله: { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } فهو إشارة إلى معرفة المعاد ، وهو أيضًا يفيد الحصر لأن قوله: { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } يدل على أنه لا مرجع للخلق إلا إلى الله تعالى وعن رسول الله A أنه كان إذا ذكر شعيب عليه السلام قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت