فهرس الكتاب

الصفحة 3988 من 8321

ثم قال تعالى: { ولذلك خَلَقَهُمْ } وفيه ثلاثة أقوال:

القول الأول: قال ابن عباس: وللرحمة خلقهم ، وهذا اختيار جمهور المعتزلة . قالوا: ولا يجوز أن يقال: وللاختلاف خلقهم ، ويدل عليه وجوه: الأول: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما ، وأقرب المذكورين ههنا هو الرحمة ، والاختلاف أبعدهما . والثاني: أنه تعالى لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك الإيمان ، لكان لا يجوز أن يعذبهم عليه ، إذ كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف . الثالث: إذا فسرنا الآية بهذا المعنى ، كان مطابقًا لقوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ] .

فإن قيل: لو كان المراد وللرحمة خلقهم لقال: ولتلك خلقهم ولم يقل: ولذلك خلقهم .

قلنا: إن تأنيث الرحمة ليس تأنيثًا حقيقيًا ، فكان محمولًا على الفضل والغفران كقوله: { هذا رَحْمَةٌ مّن رَّبّى } [ الكهف: 98 ] وقوله: { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [ الأعراف: 56 ] .

والقول الثاني: أن المراد وللاختلاف خلقهم .

والقول الثالث: وهو المختار أنه خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف . روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا ، وأهل العذاب لأن يختلفوا ، وخلق الجنة وخلق لها أهلًا ، وخلق النار وخلق لها أهلًا ، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه: الأول: الدلائل القاطعة الدالة على أن العلم والجهل لا يمكن حصولهما في العبد إلا بتخليق الله تعالى . الثاني: أن يقال: إنه تعالى لما حكم على البعض بكونهم مختلفين وعلى الآخرين بأنهم من أهل الرحمة وعلم ذلك امتنع انقلاب ذلك ، وإلا لزم انقلاب العلم جهلًا وهو محال . الثالث: أنه تعالى قال بعده: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } وهذا تصريح بأنه تعالى خلق أقوامًا للهداية والجنة ، وأقوامًا آخرين للضلالة والنار ، وذلك يقوي هذا التأويل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت