[ الكهف: 35-37 ] ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود ممكن الوجود في نفسه ، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته ، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه حيث لم يقدر على إيجاد ما هو جائز الوجود في نفسه ، أو على جهله حيث تعذر عليه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن المكلف الآخر ، ومع القول بالعجز والجهل لا يصح إثبات النبوة فكان ذلك موجبًا للكفر قطعًا والله أعلم .
المسألة الثانية: هذه الآيات صريحة في كون الجنة والنار مخلوقتين ، أما النار فلأنه تعالى قال في صفتها: { أُعِدَّتْ للكافرين } فهذا صريحة في أنها مخلوقة وأما الجنة فلأنه تعالى قال في آية أخرى: { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [ آل عمران: 133 ] ولأنه تعالى قال ههنا: { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله وحصول الملك في الحال يقتضي حصول المملوك في الحال فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان .
المسألة الثالثة: اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله: { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } والمطعم بقوله: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } والمنكح بقوله: { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصًا فبين تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم فقال: { وَهُمْ فِيهَا خالدون } فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر . ولنتكلم الآن في ألفاظ الآية .
أما قوله تعالى: { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } ففيه سؤالات: الأول: علام عطف هذا الأمر؟ والجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه . إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والضرب ، وبشر عمرًا بالعفو والإطلاق . وثانيها: أنه معطوف على قوله: { فاتقوا } كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم . وثالثها: قرأ زيد بن علي { وَبَشّرِ } على لفظ المبني للمفعول عطفًا على أعدت . السؤال الثاني: من المأمور بقوله وبشر؟ والجواب يجوز أن يكون رسول الله A وأن يكون كل أحد كما قال E: « بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة » لم يأمر بذلك واحد بعينه ، وإنما كل أحد مأمور به ، وهذا الوجه أحسن وأجزل ، لأنه يؤذن بأن هذا الأمر لعظمته وفخامته حقيق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به . السؤال الثالث: ما البشارة؟ الجواب: أنها الخبر الذي يظهر السرور ، ولهذا قال الفقهاء إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم ، لأنه هو الذي أفاد خبره السرور ولو قال مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعًا لأنهم جميعًا أخبروه ، ومنه البشرة لظاهر الجلد ، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه ، وأما { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فمن الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك . أما قوله: { الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } ففيه مسائل: