{ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } [ يوسف: 45 ] .
أما قوله تعالى: { وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ } فههنا محذوف ، والتقدير: لما أرادوا حبسه حبسوه وحذف ذلك لدلالة قوله: { وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ } عليه قيل: هما غلامان كانا للملك الأكبر بمصر أحدهما صاحب طعامه ، والآخر صاحب شرابه رفع إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه وظن أن الآخر يساعده عليه فأمر بحبسهما بقي في الآية سؤالات:
السؤال الأول: كيف عرفا أنه عليه السلام عالم بالتعبير؟
والجواب: لعله عليه السلام سألهما عن حزنهما وغمهما فذكرا إنا رأينا في المنام هذه الرؤيا ، ويحتمل أنهما رأياه وقد أظهر معرفته بأمور منها تعبير الرؤيا فعندها ذكرا له ذلك .
السؤال الثاني: كيف عرف أنهما كانا عبدين للملك:
الجواب: لقوله: { فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا } [ يوسف: 41 ] أي مولاه ولقوله: { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } [ يوسف: 42 ] .
السؤال الثالث: كيف عرف أن أحدهما صاحب شراب الملك ، والآخر صاحب طعامه؟
والجواب: رؤيا كل واحد منهما تناسب حرفته لأن أحدهما رأى أنه يعصر الخمر والآخر كأنه يحمل فوق رأسه خبزًا .
السؤال الرابع: كيف وقعت رؤية المنام؟
والجواب: فيه قولان:
القول الأول: أن يوسف عليه السلام لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين ، هلم فلنخبر هذا العبد العبراني برؤيا نخترعها له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئًا . قال ابن مسعود: ما كانا رأيا شيئًا وإنما تحالما ليختبرا علمه .
والقول الثاني: قال مجاهد كانا قد رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف عليه السلام فسألاه عنها ، فقال الساقي أيها العالم إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل عنبة حسنة فيها ثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكأن كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيتها الملك فشربه فذلك قوله: { إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } وقال صاحب الطعام إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها خبز وألوان وأطعمه وإذا سباع الطير تنهش منه فذلك قوله تعالى: { وَقَالَ الآخر إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطير مِنْهُ } .
السؤال الخامس: كيف عرف يوسف عليه السلام أن المراد من قوله: { إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } رؤيا المنام؟
الجواب: لوجوه: الأول: أنه لو لم يقصد النوم كان ذكر قوله: { أَعْصِرُ } يغنيه عن ذكر قوله { أَرَانِى } والثاني: دل عليه قوله: { نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } [ يوسف: 36 ] .
السؤال السادس: كيف يعقل عصر الخمر؟
الجواب: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر ، أي العنب الذي يكون عصيره خمرًا فحذف المضاف . الثاني: أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤل إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس يقولون فلان يطبخ دبسًا وهو يطبخ عصيرًا . والثالث: قال أبو صالح: أهل عمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة إلى أهل مكة فنطقوا بها قال الضحاك: نزل القرآن بألسنة جميع العرب .