القول الثاني: أن لفظ الخير قد يستعمل لكون أحد الخيرين أفضل من الآخر كما يقال: الجلاب خير من الماء وقد يستعمل لبيان كونه في نفسه خيرًا من غير أن يكون المراد منه بيان التفضيل كما يقال: الثريد خير من الله يعني الثريد خير من الخيرات حصل بإحسان من الله .
إذا ثبت هذا فقوله: { وَلاَجْرُ الاخرة خَيْرٌ } إن حملناه على الوجه الأول لزم أن تكون ملاذ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضًا ، وأما إن حملناه على الوجه الثاني لزم أن لا يقال إن منافع الدنيا أيضًا خيرات بل لعله يفيد أن خير الآخرة هو الخير ، وأما ما سواه فعبث .
المسألة الثانية: لا شك أن المراد من قوله: { وَلاَجْرُ الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } شرح حال يوسف عليه السلام فوجب أن يصدق في حقه أنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون ، وهذا تنصيص من الله D . على أنه كان في الزمان السابق من المتقين ، وليس ههنا زمان سابق ليوسف عليه السلام يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله فيه: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } [ يوسف: 24 ] فكان هذا شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان في ذلك الوقت من المتقين ، وأيضًا قوله: { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان من المحسنين ، وقوله: { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } شهادة من الله تعالى على أنه من المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأن يوسف عليه السلام كان من المتقين ومن المحسنين ومن المخلصين ، والجاهل الحشوي يقول: إنه كان من الأخسرين المذنبين ، ولا شك أن من لم يقل بقول الله سبحانه وتعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين .
المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: { وَلاَجْرُ الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } يدل على بطلان قول المرجئة: الذين يزعمون أن الثواب يحصل في الآخرة لمن لم يتق الكبائر .
قلنا: هذا ضعيف ، لأنا إن حملنا لفظ خير على أفعل التفضيل لزم أن يكون الثواب الحاصل للمتقين أفضل ولا يلزم أن لا يحصل لغيرهم أصلًا ، وإن حملناه على أصل معنى الخيرية ، فهذا يدل على حصول هذا الخير للمتقين ولا يدل على أن غيرهم لا يحصل لهم هذا الخير .