فهرس الكتاب

الصفحة 4076 من 8321

الوجه الثاني: قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي إنه لا يمتنع أن تكون العين حقًا ، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحسانًا كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشخص وذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقًا به ، فهذا المعنى غير ممتنع ، ثم لا يبعد أيضًا أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الإعجاب وسأل ربه تقية ذلك ، فعنده تتعين المصلحة ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل العين حق .

الوجه الثالث: وهو قول الحكماء قالوا هذا الكلام مبني على مقدمة وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير نفسانيًا محضًا ، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعًا على الأرض ، قدر الإنسان على المشي عليه ولو كان موضوعًا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان على المشي عليه ، وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه ، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة ، وأيضًا أن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيًا له حصل في قلبه غضب ، ويسخن مزاجه جدًا فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذلك التصور النفساني ، ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية ، فلما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضًا أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان . فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان وأيضًا جواهر النفوس المختلفة بالماهية فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه ويتعجب منه ، فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه والنفوس النبوية نطقت به فعنده لا يبقى في وقوعه شك .

وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده .

القول الثاني: وهو قول أبي علي الجبائي: أن أبناء يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بهم وبحسهم وكمالهم . فقال: { لاَ تَدْخُلُواْ } تلك المدينة { مِن بَابٍ وَاحِدٍ } على ما أنتم عليه من العدد والهيئة فلم يأمن عليهم حسد الناس أو يقال: لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم ، واعلم أن هذا الوجه محتمل لا إنكار فيه إلا أن القول الأول قد بينا أنه لا امتناع فيه بحسب العقل والمفسرون أطبقوا عليه فوجب المصير إليه ، ونقل عن الحسن أنه قال: خاف عليهم العين ، فقال: { لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ } ثم رجع إلى علمه وقال: { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } وعرف أن العين ليست بشيء وكان قتادة يفسر الآية بإصابة العين ويقول: ليس في قوله: { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } إبطال له لأن العين وإن صح فالله قادر على دفع أثره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت