المسألة الأولى: قرأ حمزة وعاصم والكسائي { درجات } بالتنوين غير مضاف ، والباقون بالإضافة .
المسألة الثانية: المراد من قوله: { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } هو أنه تعالى يريه وجوه الصواب في بلوغ المراد ، ويخصه بأنواع العلوم ، وأقسام الفضائل ، والمراد ههنا هو أنه تعالى رفع درجات يوسف على إخوته في كل شيء .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات ، لأنه تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة والفكرة مدحه لأجل ذلك فقال: { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } وأيضًا وصف إبراهيم عليه السلام بقوله: { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } [ الأنعام: 83 ] عند إيراده ذكر دلائل التوحيد والبراءة عن إلهية الشمس والقمر والكواكب ووصف ههنا يوسف أيضًا بقوله: { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } لما هداه إلى هذه الحيلة وكم بين المرتبتين من التفاوت .
ثم قال تعالى: { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } والمعنى أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء فضلاء ، إلا أن يوسف كان زائدًا عليهم في العلم .
واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى عالم بذاته لا بالعلم فقالوا: لو كان عالمًا بالعلم لكان ذا علم ولو كان كذلك ، لحصل فوقه عليم تمسكًا بعموم هذه الآية وهذا باطل .
واعلم أن أصحابنا قالوا دلت سائر الآيات على إثبات العلم لله تعالى وهي قوله: { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ لقمان: 34 ] { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [ النساء: 166 ] { ولاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } [ البقرة: 255 ] { مَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } [ فاطر: 11 ] وإذا وقع التعارض فنحن نحمل الآية التي تمسك الخصم بها على واقعة يوسف وإخوته خاصة غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص العموم ، إلا أنه لا بد من المصير إليه لأن العالم مشتق من العلم ، والمشتق مركب والمشتق منه مفرد ، وحصول المركب بدون حصول المفرد محال في بديهة العقل فكان الترجيح من جانبنا .