فهرس الكتاب

الصفحة 4087 من 8321

ثم إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضًا نحو إن كقوله: { إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا } [ طه: 74 ] { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار } [ الحج: 46 ] .

إذا عرفت هذا فنقول: نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا القسمين متصل بالجملة التي حصل منها الإضمار ، ولا يكون خارجًا عن تلك الجملة ولا مباينًا لها . وههنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل منها الإضمار فوجب أن لا يحسن . والثاني: أنه تعالى قال: { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا } وذلك يدل على أنه ذكر هذا الكلام ، ولو قلنا: إنه عليه السلام أضمر هذا الكلام لكان قوله أنه قال ذلك كذبًا . واعلم أن هذا الطعن ضعيف لوجوه:

أما الأول: فلأنه لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث .

وأما الثاني: فلأنا نحمل ذلك على أنه عليه السلام قال ذلك على سبيل الخفية وبهذا التفسير يسقط هذا السؤال .

والوجه الثاني: وهو أن الضمير في قوله: { فَأَسَرَّهَا } عائد إلى الإجابة كأنهم قالوا: { إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } فأسر يوسف إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقت ثان ويجوز أيضًا أن يكون إضمارًا للمقالة . والمعنى: أسر يوسف مقالتهم ، والمراد من المقالة متعلق تلك المقالة كما يراد بالخلق المخلوق وبالعلم المعلوم يعني أسر يوسف في نفسه كيفية تلك السرقة ، ولم يبين لهم أنها كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والطعن . روي عن ابن عباس Bهما أنه قال عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات لأجل همه بها ، عوقب بالحبس وبقوله: { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } [ يوسف: 42 ] عوقب بالحبس الطويل وبقوله: { إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } [ يوسف: 7 ] عوقب بقولهم: { فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } ثم حكى تعالى عن يوسف أنه قال: { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا } أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم فأخذتم أخاكم وطرحتموه في الجب ، ثم قلتم لأبيكم إن الذئب أكله وأنتم كاذبون ، ثم بعتموه بعشرين درهمًا ، ثم بعد المدة الطويلة والزمان الممتد ما زال الحقد والغضب عن قلوبكم فرميتموه بالسرقة .

ثم قال تعالى: { والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } يريد أن سرقة يوسف كانت رضا لله ، وبالجملة فهذه الوجوه المذكورة في سرقته لا يوجب شيء منها عود الذم واللوم إليه ، والمعنى: والله أعلم بأن هذا الذي وصفتموه به هل يوجب عود مذمة إليه أم لا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت