ثم قال يعقوب عليه السلام: { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون ، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب ، فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه . وذكروا لسبب هذا التوقع أمورًا: أحدها: أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال لا يا نبي الله ثم أشار إلى جانب مصر وقال: أطلبه ههنا ، وثانيها: أنه علم أن رؤيا يوسف صادقة ، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف ورؤيا مثله عليه السلام لا تخطىء ، وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه ، ولكنه تعالى ما عين الوقت فلهذا بقي في القلق ، ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف وقال: يبعد أن يظهر في الكفار مثله ، وخامسها: علم قطعًا أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه وما ضربه فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فهذا جملة الكلام في المقام الأول .
والمقام الثاني: أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف وهو قوله: { تَعْلَمُونَ يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } .
واعلم أنه عليه السلام لما طمع في وجدان يوسف بناء على الأمارات المذكورة قال لبنيه: تحسسوا من يوسف ، والتحسس طلب الشيء بالحاسة وهو شبيه بالسمع والبصر ، قال أبو بكر الأنباري يقال: تحسست عن فلان ولا يقال من فلان ، وقيل: ههنا من يوسف لأنه أقام من مقام عن ، قال: ويجوز أن يقال: من للتبعيض ، والمعنى تحسسوا خبرًا من أخبار يوسف ، واستعلموا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة { مِنْ } لما فيها من الدلالة على التجيض ، وقرىء { تَجَسَّسُواْ } بالجيم كما قرىء بهما في الحجرات .
ثم قال: { وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله } قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه وتركيب الراء والواو الحاء يفيد الحركة والاهتزاز ، فكلما يهتز انسان له ويلتذ بوجوده فهو روح . وقال ابن عباس: لا تيئسوا من روح الله يريد من رحمة الله ، وعن قتادة: من فضل الله ، وقال ابن زيد: من فرج الله ، وهذه الألفاظ متقاربة ، وقرأ الحسن وقتادة: من روح الله بالضم أي من رحمته .