فهرس الكتاب

الصفحة 4105 من 8321

واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ يوسف: 15 ] وأما قوله: { وَأَخِيهِ } فالمراد ما فعلوا به من تعريضه للغم بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وأمه ، وأيضًا كانوا يؤذونه ومن جملة أقسام ذلك الإيذاء قالوا في حقه: { إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } [ يوسف: 77 ] وأما قوله: { إِذْ أَنتُمْ جاهلون } فهو يجري مجرى العذر كأنه قال: أنتم إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في جهالة الصبا أو في جهالة الغرور ، يعني والآن لستم كذلك ، ونظيره ما يقال في تفسير قوله تعالى: { مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم } [ الأنفطار: 6 ] قيل إنما ذكر تعالى هذا الوصف المعين ليكون ذلك جاريًا مجرى الجواب وهو أن يقول العبد يا رب غرني كرمك فكذا ههنا إنما ذكر ذلك الكلام إزالة للخجالة عنهم وتخفيفًا للأمر عليهم . ثم إن إخوته قالوا: { أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } قرأ ابن كثير { إِنَّكَ } على لفظ الخبر ، وقرأ نافع { أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ } بفتح الألف غير ممدودة وبالياء وأبو عمرو { آينك } بمد الألف وهو رواية قالون عن نافع ، والباقون { أئنك } بهمزتين وكل ذلك على الاستفهام ، وقرأ أبي { أَوْ أَنتَ يُوسُفَ } فحصل من هذه القراءات أن من القراء من قرأ بالاستفهام ومنهم من قرأ بالخبر . أما الأولون فقالوا: إن يوسف لما قال لهم: { هَلْ عَلِمْتُمْ } وتبسم فأبصروا ثناياه ، وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف ، فقالوا له استفهامًا { أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ } ويدل على صحة الاستفهام أنه { قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } وإنما أجابهم عما استفهموا عنه . وأما من قرأ على الخبر فحجته ما روي عن ابن عباس Bهما أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه ، وكان في فرقه علامة وكان ليعقوب وإسحق مثلها شبه الشامة ، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة ، فقالوا: { إِنَّكَ لاَنتَ يُوسُفَ } ويجوز أن يكون ابن كثير أراد الاستفهام ثم حذف حرف الاستفهام وقوله: { قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } فيه بحثان:

البحث الأول: اللام لام الابتداء ، وأنت مبتدأ ويوسف خبره ، والجملة خبر إن .

البحث الثاني: أنه إنما صرح بالاسم تعظيمًا لما نزل به من ظلم إخوته وماعوضه الله من الظفر والنصر؛ فكأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه والله تعالى أوصلني إلى أعظم المناصب ، أنا ذلك العاجز الذي قصدتم قتله وإلقاءه في البئر ثم صرت كما ترون ، ولهذا قال: { وهذا أَخِى } مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول: وهذا أيضًا كان مظلومًا كما كنت ثم إنه صار منعمًا عليه من قبل الله تعالى كما ترون وقوله: { قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا } قال ابن عباس Bهما بكل عز في الدنيا والآخرة وقال آخرون بالجمع بيننا بعد التفرقة وقوله: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ } معناه: من يتق معاصي الله ويصبر على أذى الناس { فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } والمعنى: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجرهم فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين . وفيه مسألتان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت