فهرس الكتاب

الصفحة 4122 من 8321

واعلم أن العاقل إذا تأمل هذه المعاني علم قطعًا أنه لا صلاح له في طلب هذه اللذات والسعي في هذه الخيرات ألبتة . ثم إن النفس خلقت مجبولة على طلبها ، والعشق الشديد عليها ، والرغبة التامة في الوصول إليها وحينئذ ينعقد ههنا قياف ، وهو أن الإنسان ما دام يكون في هذه الحياة الجسمانية فإنه يكون طالبًا لهذه اللذات وما دام يطلبها كان في عين الآفات وفي لجة الحسرات ، وهذا اللازم مكروه فالملزوم أيضًا مكروه فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة الجسمانية والسبب في الأمور المرغبة في الموت أن موجبات هذه اللذة الجسمانية متكررة ولا يمكن الزيادة عليها والتكرير يوجب الملالة أما سعادات الآخرة فهي أنواع كثيرة غير متناهية .

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله عليه وهو مصنف هذا الكتاب أنار الله برهانه . أنا صاحب هذه الحالة والمتوغل فيها ، ولو فتحت الباب وبالغت في عيوب هذه اللذات الجسمانية فربما كتبت المجلدات وما وصلت إلى القليل منها فلهذا السبب صرت مواظبًا في أكثر الأوقات على ذكر هذا الذي ذكره يوسف عليه السلام وهو قوله: { رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث فَاطِرَ السموات والأرض أنت ولىِّ فِى الدنيا والأخرة تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } .

المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا في بيان أن الإيمان من الله تعالى بقوله { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } وتقريره أن تحصيل الإسلام وإبقاءه إذا كان من العبد كان طلبه من الله فاسدًا وتقريره كأنه يقول افعل يا من لا يفعل والمعتزلة أبدًا يشنعون علينا ويقولون إذا كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقال للعبد افعل مع أنك لست فاعلًا ، فنحن نقول ههنا أيضًا إذا كان تحصيل الإيمان وإبقاؤه من العبد لا من الله تعالى ، فكيف يطلب ذلك من الله قال الجبائي والكعبي معناه: اطلب اللطف لي في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه . فهذا الجواب ضعيف لأن السؤال وقع على السلام فحمله على اللطف عدول عن الظاهر وأيضًا كل ما في المقدور من الألطاف فقد فعله فكان طلبه من الله محالًا .

المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: الأنبياء عليهم السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على الإسلام ، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وأنه لا يجوز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت