ورابعها: أنه على مضادة كبيرة من الآيات نحو قوله: { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الانشقاق: 20 ] { فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ } [ المدثر: 49 ] ، { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولًا } [ الإسراء: 94 ] فبين أنه لا مانع لهم من الإيمان ألبتة . وإنما امتنعوا لأجل إنكارهم بعثة الرسل من البشر وقال: { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ } [ الكهف: 55 ] وقال: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } [ لبقرة: 28 ] وقال: { أنّى تُصْرَفُونَ } وقال: { أنّى تُؤْفَكُونَ } فلو كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين وصرفهم عن الإيمان لكانت هذه الآيات باطلة . وخامسها: أنه تعالى ذم إبليس وحزبه ومن سلك سبيله في إضلال الناس عن الدين وصرفهم عن الحق وأمر عباده ورسوله بالاستعاذة منهم بقوله تعالى: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس } [ الناس: 1 ] إلى قوله: { مِن شَرّ الوسواس } [ الناس: 4 ] و { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق } [ الفلق: 1 ] ، { وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين } [ المؤمنين: 97 ] ، { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم } [ النحل: 98 ] فلو كان الله تعالى يضل عباده عن الدين كما تضل الشياطين لاستحق من المذمة مثل ما استحقوه ولوجب الاستعاذة منه كما وجب منهم ، ولوجب أن يتخذوه عدوًا من حيث أضل أكثر خلقه كما وجب اتخاذ إبليس عدوًا لأجل ذلك ، قالوا بل خصيصية الله تعالى في ذلك أكثر إذ تضليل إبليس سواء وجوده وعدمه فيما يرجع إلى حصول الضلال بخلاف تضليل الله فإنه هو المؤثر في الضلال فيلزم من هذا تنزيه إبليس عن جميع القبائح وإحالتها كلها على الله تعالى فيكون الذم منقطعًا بالكلية عن إبليس وعائدًا إلى الله سبحانه وتعالى عن قول الظالمين . وسادسها: أنه تعالى أضاف الإضلال عن الدين إلى غيره وذمهم لأجل ذلك ، فقال: { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى } [ طه: 79 ] ، { وَأَضَلَّهُمُ السامرى } [ طه: 85 ] ، { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأرض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } [ الأنعام: 116 ] ، { إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب } [ ص: 26 ] وقوله تعالى حاكيًا عن إبليس: { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ } [ النساء: 119 ] فهؤلاء إما أن يكونوا قد أضلوا غيرهم عن الدين في الحقيقة أو يكون الله هو الذي أضلهم أو حصل الإضلال بالله وبهم على سبيل الشركة فإن كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين دون هؤلاء فهو سبحانه وتعالى قد تقول عليهم إذ قد رماهم بدأبه وعابهم بما فيه وذمهم بما لم يفعلوه ، والله متعالٍ عن ذلك وإن كان الله تعالى مشاركًا لهم في ذلك فكيف يجوز أن يذمهم على فعل هو شريك فيه ومساوٍ لهم فيه وإذا فسد الوجهان صح أن لا يضاف خلق الضلال إلى الله تعالى .