وأما قوله تعالى: { وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } فمعناه: بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كقوله: { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر: 49 ] وقوله في أول الفرقان: { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } [ الفرقان: 2 ] .
واعلم أن قوله: { كُلّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم ومعناه: أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية ، وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص ، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدرة ، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ، وهو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة .
ثم قال تعالى: { عالم الغيب والشهادة } قال ابن عباس Bهما: يريد علم ما غاب عن خلقه وما شهدوه . قال الواحدي: فعلى هذا ( الغيب ) مصدر يريد به الغائب ، ( والشهادة ) أراد بها الشاهد . واختلفوا في المراد بالغائب والشاهد . قال بعضهم: الغائب هو المعلوم ، والشاهد هو الموجود ، وقال آخرون: الغائب ما غاب عن الحس ، والشاهد ما حضر ، وقال آخرون: الغائب ما لا يعرفه الخلق ، والشاهد ما يعرفه الخلق . ونقول: المعلومات قسمان: المعلومات والموجودات ، والمعدومات منها معدومات يمتنع وجودها ومنها معدومات لا يمتنع وجودها ، والموجودات أيضًا قسمان: موجودات يمتنع عدمها ، وموجودات لا يمتنع عدمها ، وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة له أحكام وخواص ، والكل معلوم لله تعالى ، وحكى الشيخ الإمام الوالد عن أبي القاسم الأنصاري عن إمام الحرمين - رحمهم الله تعالى - أنه كان يقول لله تعالى معلومات لا نهاية لها ، وله في كل واحد من تلك المعلومات ، معلومات أخرى لا نهاية لها ، لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل وموصوفًا بصفات لا نهاية لها على البدل ، وهو تعالى عالم بكل الأحوال على التفصيل ، وكل هذه الأقسام داخل تحت قوله تعالى: { عالم الغيب والشهادة } .