فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 8321

أحدها: أن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء من غير أن يكون ذلك الشيء أثر في إضلاله فيقال لذلك الشيء إنه أضله قال تعالى في حق الأصنام { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } [ إبراهيم: 36 ] أي ضلوا بهن ، وقال: { وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا } [ نوح: 23 ، 24 ] أي ضل كثير من الناس بهم وقال: { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْرًا } [ المائدة: 64 ] وقال: { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَارًا } [ نوح: 6 ] أي لم يزدادوا بدعائي لهم إلا فرارًا وقال: { فاتخذتموهم سِخْرِيًّا حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى } [ المؤمنون: 110 ] وهم لم ينسوهم في الحقيقة بل كانوا يذكرونهم الله ويدعونهم إليه ولكن لما كان اشتغالهم بالسخرية منهم سببًا لنسيانهم أضيف الإنساء إليهم وقال في براءة: { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إيمانا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم } [ التوبة: 124 ، 125 ] فأخبر سبحانه أن نزول السورة المشتملة على الشرائع يعرف أحوالهم فمنهم من يصلح عليها فيزداد بها إيمانًا ، ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كفرًا ، فإذن أضيفت الزيادة في الإيمان والزيادة في الكفر إلى السورة ، إذ كانوا إنما صلحوا عند نزولها وفسدوا كذلك أيضًا ، فكذا أضيف الهدى والإضلال إلى الله تعالى إذا كان إحداثهما عند ضربه تعالى الأمثال لهم وقال في سورة المدثر: { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانًا } [ المدثر: 31 ] فأخبر تعالى أن ذكره لعدة خزنة النار امتحان منه لعباده ليتميز المخلص من المرتاب فآلت العاقبة إلى أن صلح عليها المؤمنون وفسد الكافرون وأضاف زيادة الإيمان وضدها إلى الممتحنين فقال ليزداد وليقول ثم قال بعد قوله: { مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } [ المدثر: 31 ] فأضاف إلى نفسه إضلالهم وهداهم بعد أن أضاف إليهم الأمرين معًا ، فبين تعالى أن الإضلال مفسر بهذا الامتحان ويقال في العرف أيضًا . أمرضني الحب أي مرضت به: ويقال قد أفسدت فلانة فلانًا وهي لم تعلم به ، وقال الشاعر:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... أي يغري الملوم باللوم ، والإضلال على هذا المعنى يجوز أن يضاف إلى الله تعالى على معنى أن الكافرين ضلوا بسبب الآيات المشتملة على الامتحانات ففي هذه الآية الكفار لما قالوا: ما الحاجة إلى الأمثال وما الفائدة فيها واشتد عليهم هذا الامتحان حسنت هذه الإضافة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت