المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: { أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا } وكلمة «لو» تفيد انتقاء الشيء لانتفاء غيره . والمعنى: أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس ، والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء ، وتارة يحملون الهداية على الهداية إلى طريق الجنة ، وفيهم من يجري الكلام على الظاهر ، ويقول إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون شائيًا لهداية جميع الناس .
والكلام في هذه المسألة قد سبق مرارًا .
أما قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبًا من دارهم } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: قوله: { الذين كفروا } فيه قولان:
القول الأول: قيل: أراد به جميع الكفار لأن الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي أوجب حصول الغم في قلب الكل ، وقيل: أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون والألف واللام في لفظ الكفار للمعهود السابق هو ذلك الجمع المعين .
المسألة الثانية: في الآية وجهان . الأول: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم قارعة داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم ، أو تحل القارعة قريبًا منهم ، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها ، ويتعدى إليهم شرورها حتى يأتي وعد الله وهو موتهم أو القيامة .
والقول الثاني: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله A من العداوة والتكذيب قارعة ، لأن رسول الله A كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم ، أو تحل أنت يا محمد قريبًا من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة ، وكان الله قد وعده ذلك .
ثم قال: { إن الله لا يخلف الميعاد } والغرض منه تقوية قلب الرسول A وإزالة الحزن عنه . قال القاضي: وهذا يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده ، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، إذ بعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق .
وجوابنا: أن الخلف غير ، وتخصيص العموم غير ، ونحن لا نقول بالخلف ، ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو .