فهرس الكتاب

الصفحة 4185 من 8321

الوجه الثاني: وهو الذي ذكره السيد صاحب «حل العقد» فقال: نجعل الواو في قوله: { وجعلوا } واو الحال ونضمر للمبتدأ خبرًا يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإمكان ما يقارنها من الحال ، والتقدير: { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } موجود . والحال أنهم جعلوا له شركاء ثم أقيم الظاهر وهو قوله ( لله ) مقام المضمر تقريرًا للإلهية وتصريحًا بها ، وهذا كما تقول: جواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي .

واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال: { قل سموهم } وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم ، فعند ذلك يقال: سمه إن شئت . يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر ، ولكنك إن شئت أن تضع له اسمًا فافعل ، فكأنه تعالى قال: سموهم بالآلهة على سبيل التهديد ، والمعنى: سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به ، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها ، ثم زاد في الحجاج فقال: { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } والمراد: أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه ، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها ، وإن لم يكن شريك ألبته ، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها { أم بظاهر من القول } يعني تموهون بإظهار قول لا حقيقة له ، وهو كقوله تعالى: { ذلك قولهم بأفواههم } [ التوبة: 30 ] ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه: { بل زين للذين كفروا مكرهم } قال الواحدي: معنى ( بل ) ههنا كأنه يقول: دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم ، فكأنه يقول: دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه ، لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل . قال القاضي: لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله ، بل لا بد وأن يكون إما شياطين الإنس وإما شياطين الجن .

واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه: الأول: أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الإنس فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطانًا آخر لزم التسلسل ، وإن كان هو الله فقد زال السؤال ، والثاني: أن يقال: القلوب لا يقدر عليها إلا الله ، والثالث: أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله تعالى وعند حصوله يجب الفعل .

أما قوله: { وصدوا عن السبيل } فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي { وصدوا } بضم الصاد وفي حم { وصدوا عن السبيل } [ النساء: 167 ] على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم ، وعند أهل السنة أن الله صدهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت