« التائب من الذنب كمن لا ذنب له » فثبت أن جميع ما ذكروه من التأويلات تعسف ساقط بل المراد ما ذكرنا أنه تعالى يغفر بعض ذنوبه من غير توبة وهو ما عدا الكفر ، وأما الكفر فهو أيضًا من الذنوب وأنه تعالى لا يغفره إلا بالتوبة ، وإذا ثبت أنه تعالى يغفر كبائر كافر من غير توبة بشرط أن يأتي بالإيمان فبأن تحصل هذه الحالة للمؤمن كان أولى ، هذا ما خطر بالبال على سبيل الارتجال والله أعلم بحقيقة الحال .
النوع الثاني: مما وعد الله تعالى به في هذه الآية قوله: { وَيُؤَخّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } وفيه وجهان: الأول: المعنى أنكم إن آمنتم أخر الله موتكم إلى أجل مسمى وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال . الثاني: قال ابن عباس: المعنى يمتعكم في الدنيا بالطيبات واللذات إلى الموت .
فإن قيل: أليس إنه تعالى قال: { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف: 34 ] فكيف قال ههنا: { وَيُؤَخّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } .
قلنا: قد تكلمنا في هذه المسألة في سورة الأنعام في قوله: { ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } [ الأنعام: 2 ] ثم حكى تعالى أن الرسل لما ذكروا هذه الأشياء لأولئك الكفار قالوا: { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين } .
واعلم أن هذا الكلام مشتمل على ثلاثة أنوع من الشبه:
فالشبهة الأولى: أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية ، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد ، وهو أن يكون الواحد منهم رسولًا من عند الله مطلعًا على الغيب مخالطًا لزمرة الملائكة ، والباقون يكونون غافلين عن كل هذه الأحوال أيضًا كانوا يقولون: إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة ، وجب أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة ، وفي الحاجة إلى الأكل والشرب والحدث والوقاع ، وهذه الشبهة هي المراد من قولهم: { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } .