المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: في نصب قوله: { كَلِمَةً طَيّبَةً } وجهان: الأول: أنه منصوب بمضمر والتقدير: جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، وهو تفسير لقوله: { ضَرَبَ الله مَثَلًا } . الثاني: قال ويجوز أن ينتصب مثلًا . وكلمة بضرب ، أي ضرب كلمة طيبة مثلًا بمعنى جعلها مثلًا ، وقوله: { كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير: هي كشجرة طيبة . الثالث: قال صاحب «حل العقد» أظن أن الأوجه أن يجعل قوله: { كَلِمَةَ } عطف بيان ، والكاف في قوله: { كَشَجَرَةٍ } في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة .
المسألة الثالثة: قال ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله ، والشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين . وقال صاحب «الكشاف» : إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان ، وأراد بشجرة طيبة الثمرة ، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها ، أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت ، وفرعها أي أعلاها في السماء ، والمراد الهواء لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء { تُؤْتِى } أي هذه الشجرة { أُكُلُهَا } أي ثمرها وما يؤكل منها كل حين ، واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر ، لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر ، جاء رجل إلى ابن عباس فقال: نذرت أن لا أكلم أخي حتى حين ، فقال: الحين ستة أشهر ، وتلا قوله تعالى: { تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } وقال مجاهد وابن زيد: سنة ، لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة . وقال سعيد بن المسيب: شهران ، لأن مدة إطعام النخلة شهران . وقال الزجاج: جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت ، والمراد من قوله: { تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } أنه ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلًا أو نهارًا أو شتاء أو صيفًا . قالوا: والسبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة انتفعوا بها في جميع أوقات السنة . وأقول: هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية ، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود ، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة بالصفات المذكورة ، ولا حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها ، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه ، سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن ، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل ، واختلافهم في تفسير الحين أيضًا من هذا الباب ، والله أعلم بالأمور .
ثم قال: { وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } والمعنى: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني ، وذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم ، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك المنازعة وانطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب .